تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 748

مساهمون:

ص٧٤٨
تعالى :
قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ
الرّعد : 16 . فلمّا كانت الحياة هي مبعث المدارك والمساعي كلّها ، وكان الموت قاطعا للمدارك والمساعي ، شبّه الإيمان بالحياة في انبعاث خير الدّنيا والآخرة منه ، وفي تلقّي ذلك وفهمه ، وشبّه الكفر بالموت في الانقطاع عن الأعمال والمدركات النّافعة كلّها ، وفي عدم تلقّي ما يلقى إلى صاحبه ، فصار المؤمن شبيها بالحيّ مشابهة كاملة ، لمّا خرج من الكفر إلى الإيمان ، فكأنّه بالإيمان نفخت فيه الحياة بعد الموت ، كما أشار إليه قوله تعالى :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ
الأنعام : 122 ، وكان الكافر شبيها بالميّت ما دام على كفره . واكتفى بتشبيه الكافر والمؤمن في موضعين عن تشبيه الكفر والإيمان وبالعكس لتلازمهما ، وأوتي تشبيه الكافر والمؤمن في موضعين لكون وجه الشّبه في الكافر والمؤمن أوضح ، وعكس ذلك في موضعين ، لأنّ وجه الشّبه أوضح في الموضعين الآخرين . [ إلى أن قال : ] وجيء بصيغة الجمع
الْأَحْياءُ
و
الْأَمْواتُ
تفنّنا في الكلام بعد أن أورد الأعمى والبصير بالإفراد ، لأنّ المفرد والجمع في المعرّف بلام الجنس سواء ، إذا كان اسما له أفراد ، بخلاف النّور والظّلّ والحرور . ( 22 : 149 ) مغنيّة : أمّا الأحياء فهم أصحاب القلوب الحيّة ، الّذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه ، وضدّهم الأموات ، والمعنى : ليس سواء عند اللّه . وفي الواقع من آمن وأصلح ، ومن كفر وأفسد ، بل إنّ الفرق بينهما تماما كالفرق بين العمى والبصر ، والنّور والظّلام ، والجحيم والنّعيم ، والموت والحياة . ( 6 : 286 ) الطّباطبائيّ : عطف على :
وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ
وإنّما كرّر قوله :
ما يَسْتَوِي *
ولم يعطف
الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ
على : « الأعمى والبصير » كرابعته لطول الفصل ، فأعيد ( ما يستوى ) لئلّا يغيب المعنى عن ذهن السّامع ، فهو كقوله :
كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ
إلى أن قال :
كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ
التّوبة : 7 ، 8 . والجمل المتوالية المترتّبة ، أعني قوله :
وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ
إلى قوله :
وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ
تمثيلات للمؤمن والكافر وتبعات أعمالهما . ( 17 : 37 ) مكارم الشّيرازيّ : المؤمنون حيويّون ، سعاة متحرّكون ، لهم رشد ونموّ ، لهم فروع وأوراق ، وورود وثمر ، أمّا الكافر فمثل الخشبة اليابسة ، لا فيها طراوة ولا ورق ، ولا ورد ولا ظلّ لها ، ولا تصلح إلّا حطبا للنّار . وفي الآية : 122 ، سورة الأنعام نقرأ :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها .
( 14 : 58 ) فضل اللّه : ( الاحياء ) الّذين تتحرّك الحياة في كلّ عروقهم ، فتحرّك فيهم الحسّ والشّعور ،
وَلَا الْأَمْواتُ
الّذين تحوّلوا إلى جماد لا أثر للحياة فيه ، فلا يحسّون بشيء ولا يعقلون شيئا . وهكذا توحي هذه الكلمات المتقابلة والموجودات المختلفة ، بما يماثلها في الوجود الإنسانيّ وبما حوله . [ إلى أن