الأعمى . وأمّا الأحياء والأموات فالتّفاوت بينهما أكثر ؛ إذ ما من ميّت يساوي في الإدراك حيّا من الأحياء ، فذكر أنّ الأحياء لا يساوون الأموات ، سواء قابلت الجنس بالجنس أو قابلت الفرد بالفرد ، وأمّا الظّلمات والنّور فالحقّ واحد وهو التّوحيد ، والباطل كثير وهو طرق الإشراك على ما بيّنّا : أنّ بعضهم يعبدون الكواكب ، وبعضهم النّار ، وبعضهم الأصنام الّتي هي على صورة الملائكة ، وإلى غير ذلك . والتّفاوت بين كلّ فرد من تلك الأفراد وبين هذا الواحد بيّن ، فقال : الظّلمات كلّها إذا اعتبرتها لا تجد فيها ما يساوي النّور ، وقد ذكرنا في تفسير قوله :
وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ
الأنعام : 1 ، السّبب في توحيد النّور وجمع الظّلمات ، ومن جملة ذلك أنّ النّور لا يكون إلّا بوجود منوّر ، ومحلّ قابل للاستنارة ، وعدم الحائل بين النّور والمستنير ، مثاله الشّمس . إذا طلعت ، وكان هناك موضع قابل للاستنارة ، وهو الّذي يمسك الشّعاع . ( 26 : 16 )
نحوه النّيسابوريّ ( 22 : 74 ) ، وأبو حيّان ( 7 : 308 ) ، والشّربينيّ ( 3 : 322 ) .
البيضاويّ : تمثيل آخر للمؤمنين والكافرين أبلغ من الأوّل . ولذلك كرّر الفعل . وقيل : للعلماء والجهّال .
( 2 : 271 )
النّسفيّ : مثل للّذين دخلوا في الإسلام والّذين لم يدخلوا فيه ، وزيادة ( لا ) لتأكيد معنى النّفي ، والفرق بين هذه الواوات أنّ بعضها ضمّت شفعا إلى شفع ، وبعضها وترا إلى وتر . ( 3 : 339 )
ابن كثير : هذا مثل ضربه اللّه تعالى للمؤمنين وهم الأحياء ، وللكافرين وهم الأموات ، كقوله تعالى :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها
الأنعام :
122 . ( 5 : 578 )
أبو السّعود : [ مثل البيضاويّ وأضاف : ]
وأوثر صيغة الجمع في الطّرفين تحقيقا للتّباين بين أفراد الفريقين . ( 5 : 279 )
البروسويّ : [ مثل أبي السّعود وأضاف : ]
والحيّ : ما به القوّة الحسّاسة ، والميّت : ما زال عنه ذلك . وجه التّمثيل أنّ المؤمن منتفع بحياته ؛ إذ ظاهره ذكر وباطنه فكر دون الكافر ؛ إذ ظاهره عاطل وباطنه باطل .
وقال بعض العلماء : هو تمثيل للعلماء والجهّال ، وتشبيه الجهلة بالأموات شائع ، ومنه قوله :
لا تعجبنّ الجهول خلّته * فإنّه الميت ثوبه كفن
لأنّ الحياة المعتبرة هي حياة الأرواح والقلوب ؛ وذلك بالحكم والمعارف ، ولا عبرة بحياة الأجساد بدونها ، لاشتراك البهائم فيها . ( 7 : 338 )
ابن عاشور : وجملة :
وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ
أظهر في هذه الجملة الفعل الّذي قدّر في الجملتين اللّتين قبلها ، وهو فعل
يَسْتَوِي
لأنّ التّمثيل هنا عاد إلى تشبيه حال المسلمين والكافرين ؛ إذ شبّه حال المسلم بحال الأحياء ، وحال الكافرين بحال الأموات ، فهذا ارتقاء في تشبيه الحالين من تشبيه المؤمن بالبصير والكافر بالأعمى ، إلى تشبيه المؤمن بالحيّ والكافر بالميّت . ونظيره في إعادة فعل الاستواء قوله