تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 746

مساهمون:

ص٧٤٦
النّور وتضادّه ، والعمى والبصر كذلك . أمّا الأعمى والبصير ليس كذلك ، بل الشّخص الواحد قد يكون بصيرا وهو بعينه يصير أعمى ، فالأعمى والبصير لا منافاة بينهما إلّا من حيث الوصف ، والظّلّ والحرور والمنافاة بينهما ذاتيّة ، لأنّ المراد من الظّلّ : عدم الحرّ والبرد ، فلمّا كانت المنافاة هناك أتمّ أكّد بالتّكرار . وأمّا الأحياء والأموات ، وإن كانوا كالأعمى والبصير من حيث إنّ الجسم الواحد يكون حيّا محلّا للحياة فيصير ميّتا محلّا للموت ، ولكن المنافاة بين الحيّ والميّت أتمّ من المنافاة بين الأعمى والبصير ، كما بيّنّا أنّ الأعمى والبصير يشتركان في إدراك أشياء ، ولا كذلك الحيّ والميّت ، كيف والميّت يخالف الحيّ في الحقيقة لا في الوصف ؛ على ما تبيّن في الحكمة الإلهيّة . المسألة الثّالثة : قدّم الأشرف في مثلين وهو الظّلّ والحرور « 1 » ، وأخّره في مثلين وهو البصر والنّور ، وفي مثل هذا يقول المفسّرون : إنّه لتواخي أواخر الآي ، وهو ضعيف ، لأنّ تواخى الأواخر راجع إلى السّجع ، ومعجزة القرآن في المعنى لا في مجرّد اللّفظ ، فالشّاعر يقدّم ويؤخّر للسّجع ، فيكون اللّفظ حاملا له على تغيير المعنى . أمّا القرآن فحكمة بالغة ، والمعنى فيه صحيح واللّفظ فصيح ، فلا يقدّم ولا يؤخّر اللّفظ بلا معنى . فنقول : الكفّار قبل النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كانوا في ضلالة فكانوا كالعمى وطريقهم كالظّلمة ، ثمّ لمّا جاء النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وبيّن الحقّ ، واهتدى به منهم قوم فصاروا بصيرين وطريقتهم كالنّور ، فقال : وما يستوي من كان قبل البعث على الكفر ومن اهتدى بعده إلى الإيمان ، فلمّا كان الكفر قبل الإيمان في زمان محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، والكافر قبل المؤمن قدّم المقدّم . ثمّ لمّا ذكر المآل والمرجع قدّم ما يتعلّق بالرّحمة على ما يتعلّق بالغضب ، لقوله في الإلهيّات : سبقت رحمتي غضبي . ثمّ إنّ الكافر المصرّ بعد البعثة صار أضلّ من الأعمى ، وشابه الأموات في عدم إدراك الحقّ من جميع الوجوه ، فقال :
وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ
أي المؤمنون الّذين آمنوا بما أنزل اللّه ، والأموات الّذين تليت عليهم الآيات البيّنات ، ولم ينتفعوا بها ، وهؤلاء كانوا بعد إيمان من آمن ، فأخّرهم عن المؤمنين لوجود حياة المؤمنين قبل ممات الكافرين المعاندين ، وقدّم الأعمى على البصير لوجود الكفّار الضّالّين قبل البعثة على المؤمنين المهتدين بعدها . المسألة الرّابعة : فإن قلت : قابل الأعمى بالبصير بلفظ المفرد ، وكذلك الظّلّ بالحرور ، وقابل الأحياء بالأموات بلفظ الجمع ، وقابل الظّلمات بالنّور بلفظ الجمع في أحدهما والواحد في الآخر ، فهل تعرف فيه حكمة ؟ قلت : نعم بفضل اللّه وهدايته ، أمّا في الأعمى والبصير والظّلّ والحرور ، فلأنّه قابل الجنس بالجنس ، ولم يذكر الأفراد ؛ لأنّ في العميان وأولي الأبصار قد يوجد فرد من أحد الجنسين يساوي فردا من الجنس الآخر ، كالبصير الغريب في موضع والأعمى الّذي هو تربية ذلك المكان ، وقد يقدر الأعمى على الوصول إلى مقصد ولا يقدر البصير عليه ، أو يكون الأعمى عنده من الذّكاء ما يساوي به البليد البصير ، فالتّفاوت بينهما في الجنسين مقطوع به ، فإنّ جنس البصير خير من جنس
هامش
( 1 ) كذا والصّحيح : الأحياء .
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 746 | مجمع البحوث الاسلامية