وحينئذ يحتمل أن يكونا منفيّين عنهم أنفسهم : أي إنّ الفرح والاستبشار يكونان شاملين لهم بحالهم وبحال من خلفهم من إخوانهم ، بسبب انتفاء الخوف والحزن عنهم ، هم حيث هم ، كما يحتمل أن يكون المراد نفيهما عن الّذين لم يلحقوا بهم أيضا .
والمختار عندي أنّ المراد بنفي الخوف والحزن ، نفيهما عن الّذين لم يلحقوا بهم ممّن قاتل معهم ولم يقتل ، وأنّ الآية الآتية مفسّرة لذلك .
والخوف : تألّم من مكروه يتوقّع . والحزن : تألّم من مكروه وقع . وقد قيل : إنّ المراد بالخوف والحزن ما يكون في الدّنيا . وقيل : بل المراد ما يكون في الآخرة . ويجوز أن يكون المعنى أنّه لا خوف عليهم في الدّنيا من استئصال المشركين لهم ، أو ظفرهم بهم ثانية ، ولا هم يحزنون في المستقبل البعيد عندما يقدمون على ربّهم في الآخرة . . . » .
ونقول : لا وجه لهذا التّرديد بعد ملاحظة سياق الآيات الّتي جاءت بهذا النّصّ مع تفاوت يسير ، وقد كرّرت 13 مرّة ، منها : 5 مرّات في سورة البقرة ، وفي جملة منها :
لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ *
البقرة : 262 و 277 ، وفي آية :
ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ
الأعراف :
49 ، وهذا صريح في أنّها حالتهم في الآخرة ، نعم هناك آيات تعمّ بظاهرها الدّنيا والآخرة مثل :
أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
الأنعام : 48 ، و
فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
الأعراف : 35 .
وأمّا الآية الّتي نحن بصدد بيانها فالظّاهر :
أوّلا : أنّها استبشار بحال إخوانهم دون أنفسهم ، وإن استلزمه ، حيث إنّهم ذاقوا هذه البشرى ولمسوها وجرّبوها ، فحاكوها لإخوانهم وطلبوا مشاركتهم فيها مستبشرين .
وثانيا : أنّها بشارة لإخوانهم بحالهم في الآخرة بعد الاستشهاد ، وفيه تلميح بأنّهم سوف يستشهدون وينالون ما نالوه من فيض الشّهادة ، وما يتلوها من الكرامة .
وثالثا : تحريض لهم على الصّبر والثّبات والمقاومة والصّعود أمام الأعداء ، فهؤلاء الشّهداء وإن خرجوا عن ساحة المعركة بأجسادهم ، لكنّهم باقون فيها بأرواحهم وبعواطفهم ، بل بجهادهم في المعركة ، حيث شاركوا إخوانهم فيها بالإستبشار والإستبصار .
ورابعا : هؤلاء الإخوة يشعرون ويلمسون هذه البشرى في قلوبهم ، فيتقوّون بها في عزائمهم ونيّاتهم للمقاومة حتّى الشّهادة .
وفي المنار 1 : 285 ، قال الأستاذ الإمام ما مثاله :
« الخوف : عبارة عن تألّم الإنسان من توقّع مكروه يصيبه ، أو توقع حرمان من محبوب يتمتّع به أو يطلبه .
والحزن : ألم يلمّ بالإنسان إذا فقد ما يحبّ . . . فالمهتدون بهداية اللّه تعالى لا يخافون ممّا هو آت ، ولا يحزنون على ما فات ، لأنّ اتّباع الهدى يسهّل عليهم طريق اكتساب الخيرات ، ويعدّهم لسعادة الدّنيا والآخرة ، ومن كانت هذه وجهته ، يسهل عليهم كلّ ما يستقبله ، ويهون عليه كلّ ما أصابه أو فقده ، لأنّه موقن بأنّ اللّه يخلفه ، فيكون كالتّعب في الكسب لا يلبث أن يزول بلذّة الرّبح الّذي