تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 737

مساهمون:

ص٧٣٧
يقولون مات فلان ، فأنزل اللّه تعالى الآية ، الطّبرسيّ 1 : 236 . أمّا الآية الثّانية وما بعدها فقد قيل : إنّها نزلت في شهداء بدر ، وقيل : في شهداء أحد ، تلك الغزوة الكبرى بعد بدر ، الّتي كانت الهزيمة فيها على المسلمين والنّصر لأعدائهم ، فقتل منهم سبعون رجلا : أربعة من المهاجرين ، حمزة ومصعب بن عمير وعثمان بن شماس وعبد اللّه بن جحش ، وسائرهم من الأنصار . عن ابن مسعود والرّبيع وقتادة ، وقال الإمام الباقر عليه السّلام وكثير من المفسّرين : إنّها تتناول قتلى بدر وأحد معا . وقيل : نزلت في شهداء بئر معونة . . . الطّبرسيّ 1 : 535 ، والصّواب كما يقتضيه السّياق نزولها بشأن غزوة أحد . ومهما كان الأمر ، فلا ريب أنّ أسباب النّزول لا تحدّد الآيات بمواضعها ، بل هي عامّة لكلّ ما يشمله السّياق - كما ثبت في محلّه ، وهو معلوم عند أهله - فالآيتان تعمّان جميع المستشهدين في معارك الحقّ والباطل ، مع ما فيهما من رعاية الظّروف وحالة الموقف كما يأتي . وقد ذهب الفيض الكاشانيّ عند تفسيره للآية الأولى في شمولها ، لكلّ من يقتل في سبيل اللّه ، سواء كان قتله بالجهاد الأصغر وبذل النّفس طلبا لمرضاة اللّه ، أو بالجهاد الأكبر وكسر النّفس وقمع الهوى بالرّياضة ، الكاشانيّ 1 : 368 . ويبدو ممّا جاءت قبلها في سورة آل عمران ، أنّ الكفّار والمنافقين وضعفاء الإيمان من المسلمين كانوا يحسبون الشّهداء أمواتا ، وأنّهم لو لم يشتركوا في الجهاد ما ماتوا ، مثل قوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ * وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ
آل عمران : 156 - 158 ، وقوله :
الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
آل عمران : 168 . فهذه الآيات بشأن الشّهداء تعدّ إجابة على تلك المزاعم الباطلة في شأنهم . دراسة في سياق الآيتين : ومهما كانت أسباب نزولهما ، فلا شكّ أنّ آية البقرة نزلت قبل آية آل عمران . والّذي يلفت النّظر ، هو التّفاوت البيّن بين الآيتين ، على الرّغم من تنصيصهما على أنّ الشّهداء الّذين قتلوا في سبيل اللّه أحياء ، وليسوا أمواتا . فآية البقرة تقول :
وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ .
وآية آل عمران تقول :
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً
فالأولى تمنع عن القول لهم أنّهم أموات ، والثّانية تمنع عن حسبانهم أمواتا ، وشتّان ما بين التّعبيرين ، فالثّانية آكد وأبلغ في إفادة المقصود ، فإنّ القول متأخّر عن الحسبان طبعا ، فالقرآن يبدو أنّه في أوّل الشّوط منع المسلمين عن التّقوّل والتّلفّظ في شأن هؤلاء الّذين قتلوا في سبيل اللّه بأنّهم أموات ، ثمّ ترقّى وتجاوز عن ذلك إلى نهيهم عن حسبانهم أمواتا ، فقد تدخّل في أعمال قلوبهم بعد أن تدخّل في أقوالهم ، أي