تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 738

مساهمون:

ص٧٣٨
لا ينبغي بأن يخطر ببال أحد من المؤمنين أنّ الشّهداء أموات ، فالقرآن راعى حال النّاس في التّدريج شيئا فشيئا إلى تقدير قدر الشّهداء حقّ قدرهم ، جريا على ما هو دأب القرآن من التّدرّج في التّشريع عموما . وهناك فرق آخر بين الآيتين : فرغم التّصريح فيها بأنّهم أحياء بعد نفي الموت عنهم . قال في الأولى :
بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ
وفي الثّانية :
بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
فالقرآن في أوّل الشّوط اكتفى بأنّهم أحياء مبهما حالهم ، بأن عامّة النّاس لا يشعرون ذلك : أي - واللّه أعلم - ليسوا أهلا لذلك ، بل هناك أشخاص مأهّلين لهذا الشّعور ، أمّا في الشّوط الثّاني فبيّن حالهم بأشياء : أوّلا : بأنّهم
عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ .
وفيه تلميح بأنّ حياة الشّهداء هذه حياة ربّانيّة معنويّة ، وليست مادّيّة جسديّة ، حياة متزوّدة برزق من عند ربّهم ، لأنّهم جالسون على مائدة ربّهم ، وفي
يُرْزَقُونَ
بالبناء للمفعول إبهام ، تكريما وتعظيما لهذا الرّزق الّذي لا شكّ أنّ اللّه هو رازقهم ، ليذهب ذهن السّامع إلى كلّ مذهب ممكن بشأن هذا الرّزق الكريم . ثمّ التّعبير ب
عِنْدَ رَبِّهِمْ
دون عند اللّه أو لفظ آخر ، توثيق لعلاقتهم واتّصالهم بربّهم الّذي ربّاهم في الحياة الدّنيا ، بحيث استحقّوا لفيض الشّهادة في سبيل اللّه ، - وهو فوز عظيم - فربّهم بعد الارتحال عن هذه الحياة هو ربّهم في تلك الحياة ، لا يتركهم سدى ، بل يتصدّى لرزقهم ولرشدهم وتقريبهم إلى نفسه حاضرين عنده . فائزين بلقاءه ، وبضيافته بنفسه - دون ملائكته - إيّاهم مباشرة . كما هو مقتضى تقديم الظّرف في الآية
عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
قال في المنار 4 : 233 ، : « فهذه العنديّة عنديّة شرف وكرامة ، لامكان ومسافة ، وقيل : عنديّة علم وحكم » . وقد تحدث القرآن مرّة أخرى عن هذا الرّزق للّذين قتلوا أو ماتوا في سبيل اللّه في سورة الحجّ : 58 ، - المردّدة بين كونها مكّيّة أو مدنيّة - بقوله
وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ
مصرّحا بأنّه رزق حسن من عند اللّه وهو خير الرّازقين ، ومشعرا بأنّه رزقهم بعد الشّهادة وقبل دخول الجنّة ، حيث قال بعده :
لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ
وهو الجنّة . ثانيا : بأنّهم
فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
آل عمران : 170 ، هذه ثلاث كلمات ، وفي كلّ منها مزيّة للشّهداء :
فَرِحِينَ
حال لهم تحكي سرورهم وفيه روح وراحة وسكينة . بما آتاهم اللّه أي سرورهم من أجل ما آتاهم اللّه و ( ما آتاهم الله ) مبهم لا يفسّره شيء إلّا فضل اللّه . ثمّ التّصريح بأنّ اللّه آتاهم شيئا ، تكريم لهم أيّ تكريم . و
مِنْ فَضْلِهِ
توضيح بعد إبهام ، وهو أوقع في النّفوس من البيان الواضح ابتداء . وفضل اللّه فيه تكريم لهم وتعظيم لما آتاهم اللّه ، فقد جمعت فيها الفرح وما آتاهم اللّه وفضله ، وهي جماع السّعادة والفضيلة لهؤلاء الشّهداء أنفسهم دون أصدقاءهم في المعركة . ثالثا : بأنّهم
يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
هذه جملة