واحدة مركّبة من كلمات ، في كلّ منها تعاطف مع إخوانهم المشاركين لهم في المعركة ، بعد بيان حالهم أنفسهم في ما تقدّم ، وهذا بيانها :
1 - قال في المنار 4 : 235 ، « الاستبشار : السّرور الحاصل بالبشارة ، وأصل الاستفعال طلب الفعل ، فالمستبشرون بمنزلة من طلب السّرور فوجده بالبشارة ، كذا قالوا ، والعبارة للرّازي . ويصحّ أن يكون معنى الطّلب فيه على حاله . . . والمعنى على الأوّل :
ويطلبون البشرى بالّذين لم يلحقوا بهم من إخوانهم ، أي يتوقّعون أن يبشّروا في وقت قريب بقدومهم عليهم مقتولين في سبيل اللّه كما قتلوا ، مستحقّين من الرّزق والفضل الإلهيّ مثل ما أتوا . والمعنى على الثّاني : أي يسرّون بذلك عند حصوله » .
2 - هناك توجد العلاقة بين الشّهداء وبين أصدقاءهم وإخوانهم المجاهدين في سبيل اللّه الّذين لم يلحقوا بهم ، ولم ينالوا فيض الشّهادة ، ولكنّهم شائقين مستعدّين لها وللالتحاق بهم من خلفهم ، وهذا يكشف :
أوّلا : عن وجود المسانخة الرّوحيّة بين الفريقين ، أي لا فرق بينهما سوى أنّ أحدهما فاز بالشّهادة ، والآخر مستعدّ لها مشرف عليها .
وثانيا : عن وفاءهم وسخاءهم لإخوانهم حيث يحبّون لهم ما رزقوا هم عند ربّهم ، ولا يضيق ويبخل قلوبهم عن إعطاء هذه الموهبة للّذين كانوا معهم في ساحة المعركة ، باذلين أنفسهم في سبيل اللّه ، وهم الآن على نفس الخطّ ، ولم ينصرفوا ولم يستهانوا في نيّاتهم وجهادهم وتفانيهم في اللّه ، بل يغبطون حال إخوانهم ، ويرجون لهم أيضا من اللّه ما أفاض عليهم من فضله ورحمته .
وثالثا : أنّ إخوانهم أيضا متّصلون بهم روحا ، ماشون خلفهم ، ملتزمون موضع أقدامهم ، فالعلاقة الودّيّة ثابتة بين الفريقين من الطّرفين ، لا من طرف واحد ، كما كانت قبل أن يفرّق الاستشهاد بينهما . وهذه مظهر من مظاهر الحياة الطّيّبة لهم جميعا ، حياة الأخوّة والمودّة والوفاء والسّخاء والاتّباع والاقتداء والثّبات .
في المنار 4 : 235 ، قال الأستاذ الإمام : « إنّما قال :
مِنْ خَلْفِهِمْ
للدّلالة على أنّهم وراءهم يقتفون أثرهم ويحذون حذوهم قدما بقدم ، فهو قيد فيه الخبر والحثّ والتّرغيب والمدح والبشارة ، وهو من البلاغة بالمكان الّذي لا يطاول » .
ورابعا : تظهر هذه العلاقة بينهما باستبشارهم بعاقبة أمرهم من قبل الفريق الأوّل ، وتلقّي هذه البشارة من قبل الفريق الثّاني بالقبول ، فبينهما اتّصال روحيّ بهذه البشارة - كما كانت في المعركة - حيث كانوا يستبشرون جميعا ، ويبشّر أحدهما الآخر بالنّصر والفتح القريب ، فهذه الحالة باقية مستحكمة بينهم سوى أنّ موضع البشارة كان حين ذاك النّصر والفتح ، فتبدّل إلى نفي الخوف والحزن عنهم كما يأتي :
3 -
أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
قال في المنار 4 : 235 ، : « بدل اشتمال من ( الذين لم يلحقوا بهم ) أي يستبشرون بهم من حيث إنّه لا خوف عليهم ، فالخوف والحزن على هذا منفيّان عن الّذين لم يلحقوا بهم . أو الباء للسّببيّة والمعنى : بسبب أنّه لا خوف عليهم . . .