تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 725

مساهمون:

ص٧٢٥
المفسّرون ، بل هي واردة في سياق تفريغ النّفس من الشّعور بالوحشة القاتلة أمام ظلام الموت ، ليملأها الشّعور بالحياة الّذي يحشد الوجدان بالفرح والرّضى والاطمئنان ، في أسلوب قرآنيّ يجدّد للإنسان طاقته على الصّبر والامتداد . وقد نجد من المناسب أن نناقش التّفسير الأوّل للحياة ، بأنّ اعتبار الذّكر حياة لا يتناسب مع طبيعة معنى الحياة الّذي يقهر الشّعور بالموت في نفس الإنسان ، بل هو نوع من أنواع الخيال الرّوحيّ الّذي يتّخذ صفة الإيحاء للنّفس ، بامتداد الاسم الّذي يحمله الإنسان في قافلة الأسماء الّتي يتداولها النّاس ، ممّا قد يدفع الإنسان إلى بعض الأعمال الّتي تشارك في ذلك ، ولكنّه لا يستطيع أن يزيل مرارة الموت من النّفس ووحشة الإحساس بالعدم ، بل كلّ ما هناك أنّه يمثّل أسلوبا من أساليب الهروب من قسوة هذه الحقيقة ، لدى الغافلين عن الإيمان باللّه واليوم الآخر في عمليّة تعويضيّة . وإنّنا لا نجد في التّراث التّشريعيّ الإسلاميّ مثل هذا التّأكيد على الاهتمام بامتداد الذّكر للإنسان في ما بعد الموت ، إلّا بالمقدار الّذي يكون العمل الّذي يمتدّ به الإنسان مفيدا ونافعا للبشريّة ، بالمستوى الّذي يمتدّ به الإنسان مفيدا ونافعا للبشريّة ، بالمستوى الّذي يعتبر امتدادا لحياته العمليّة بعد الموت ، فيستحقّ عليه الثّواب الكبير من اللّه ، كما في الحديث المأثور عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : « لا يتبع الرّجل بعد موته إلّا ثلاث خصال : صدقة أجراها للّه في حياته فهي تجري له بعد موته ، وسنّة هدى سنّها فهي يعمل بها بعد وفاته ، وولد صالح يدعو له » . فليست القضيّة قضيّة ذكر صالح خالد ، بل القضيّة هي العمل الصّالح الّذي يمتدّ في حياة النّاس كامتداد عمليّ لحياتهم . وإذا كان البعض يرتكز في قيمة الذّكر الخالد على بعض الآيات القرآنيّة ، فإنّنا لا نجد فيها دلالة على ذلك ، فقد أشير إلى قوله تعالى حكاية عن إبراهيم :
وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ
الشّعراء : 84 ، ويذكر في تفسيرها أنّ إبراهيم يدعو اللّه أن يخلّد له ذكره من ناحية الطّموح الذّاتيّ للخلود في الحياة ، ولكنّنا نلاحظ أنّه كان يتحدّث عن لسان الصّدق الّذي يتضمّن رسالته ودعوته الشّاملة إلى الإسلام للّه ، فليست القضيّة لديه قضيّة رغبة في خلود الذّكر ، بل في خلود الرّسالة الّتي تمثّل كلّ اهتماماته حتّى بعد الموت ، ممّا يجعله يوصي أولاده بذلك . ومن هذه الآيات قوله تعالى :
وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ
الانشراح : 4 ، فقد يستدلّ بها على الاهتمام بالذّكر الخالد بعد الموت ، ولكن الظّاهر أنّها واردة في الحديث عن نعمة اللّه على نبيّه في رفع ذكره وانتشار رسالته ، وعلوّ موقعه في الحياة ، بعد أن كان إنسانا عاديّا في مجتمعه ، فلا تعرّض فيها لما بعد الموت ، ومنها :
سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ
الصّافّات : 79 ، أو
سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ
الصّافّات : 109 ، وهما لا يدلّان إلّا على أنّ اللّه ترك السّلام عليهما في الحياة ، لتبقى الرّوح الإيمانيّة الرّائعة والصّبر العظيم عنوانين كبيرين ، لكلّ من أراد الاقتداء بهما والسّير على منهاجهما . وقد لا يتناسب هذا التّفسير مع كلمة :
وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ ،
لأنّ قضيّة الذّكر الجميل هي ممّا يلتفت