للعافية ، وتبتعد عن الأمّة الثّائرة ، ولا تكتفي هي بالتّقاعس والتّكاسل ، بل تسعى إلى تثبيط عزائم الآخرين ، وبثّ الرّخوة والتّماهل في المجتمع . ما أن تظهر حادثة مؤلمة حتّى يعربون عن أسفهم ، وينقمون على الحركة الّتي أدّت إلى هذه الحادثة ، غافلين أنّ كلّ هدف مقدّس يحتاج إلى تضحيات ، وتلك سنّة كونيّة .
القرآن الكريم يتحدّث عن مثل هذه الفئة كرارا ويؤنّبهم بشدّة . ثمّة أفراد من هؤلاء كانوا يتظاهرون بالتّأسّف والتّألّم على موت شهيد من شهداء الإسلام في المعركة ، ويبعثون بذلك القلق والاضطراب في النّفوس .
واللّه سبحانه يردّ على هذه الأقاويل السّامّة بالكشف عن حقيقة كبرى هي إنّ الّذين يضحّون بأنفسهم في سبيل اللّه ليسوا بأموات . هؤلاء أحياء ، ويتمتّعون بنعم اللّه ورضوانه ، لكن البشر المحدودين في عالم الحسّ لا يدركون هذه الحقائق .
بحوث
1 - خلود الشّهداء
للمفسّرين آراء مختلفة في معنى حياة الشّهداء وخلودهم . ظاهر الآية يشير دون شكّ إلى أنّهم يتمتّعون بنوع من الحياة البرزخيّة الرّوحيّة ، لأنّ أجسامهم قد تلاشت ، فهم يعيشون تلك الحياة بجسم مثاليّ ، كما يقول الإمام الصّادق عليه السّلام .
من المفسّرين من قال : إنّها « حياة غيبيّة » خاصّة بالشّهداء ، لا تتوفّر لدينا تفاصيلها وخصائصها .
وقيل : إنّ الحياة المذكورة في الآية تعني الهداية ، والموت يعني الضّلال ، فتكون الآية قد نهت عن وصف الشّهداء بالضّلالة ، بل هم مهتدون . وقيل : إنّ الشّهداء أحياء ، لأنّ هدفهم حيّ ورسالتهم حيّة .
لكن التّفسير الأوّل للحياة أقرب إلى ظاهر الآية ، ولا حاجة لأن نتكلّف التّفسيرين التّاليين . فهم يحيون حياة برزخيّة روحانيّة ، يتنعّمون فيها بالقرب من رحمة اللّه وبأنواع نعمه .
2 - الشّهادة سعادة في الإسلام
قرّر الإسلام مسألة الشّهادة وبيّن منزلتها العظيمة ، في الآية أعلاه وآيات أخرى ، لتكون عاملا فعّالا هامّا على ساحة المواجهة بين الحقّ والباطل . وهذا العامل أمضى من أيّ سلاح وأقوى من كلّ المؤثّرات ، وهو قادر على أن يجابه أخطر الأسلحة وأفتكها في عصرنا الرّاهن ، وتجربة الثّورة الإسلاميّة في إيران أثبتت ذلك بوضوح .
وقد شاهدنا بأمّ أعيننا انتصار المندفعين نحو الشّهادة - بالرّغم من ضعف إمكاناتهم المادّيّة - على أعتى القوى المتجبّرة .
ولو ألقينا نظرة على تاريخ الإسلام ، والملاحم الّتي سطّرها المسلمون في جهادهم الدّاميّ ، والتّضحيات الّتي قدّمها المجاهدون على طريق الرّسالة ، لألفينا أنّ الدّافع الأساس لكلّ هذه التّضحيات هو درس الشّهادة الّذي لقّنه الإسلام لأبنائه ، وبموجبه آمنوا أنّ الشّهادة على طريق اللّه ، وطريق الحقّ والعدالة ، لا تعني الفناء ، بل السّعادة والحياة الخالدة .
المقاتلون الّذين تلقّوا مثل هذا الدّرس في مثل هذه المدرسة الكبرى ، لا يقاسون بالمقاتلين العادّيّين الّذين