تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 724

مساهمون:

ص٧٢٤
أفضل وأوسع ممّا في هذه الحياة الدّنيا . وقد يلاحظ الاختلاف بين آية سورة البقرة وبين آية سورة آل عمران ، من حيث التّركيز هناك على أصل المبدإ وهو الحياة هنا ، بينما كان التّركيز هناك على طبيعة الحياة عند اللّه ، وما فيها من نعيم وفرح وفضل واستبشار . وربّما كان السّبب في ذلك أنّ الآية هنا واردة في سياق الآيات الّتي تدعو إلى التّماسك والصّبر ، ممّا يقتضي مواجهة الحالة النّفسيّة الّتي ينقلها الشّعور بالموت ، بالحالة الّتي تنفتح أمامها نوافذ الحياة ، تماما كما هي القضيّة في تبديل صورة قائمة بصورة مضيئة ، من دون حاجة إلى الدّخول في التّفاصيل ، لأنّ الموضوع الّذي يلحّ على النّفس هو قضيّة الظّلمة والضّياء . . . أمّا الآية الأخرى ، فقد انطلقت في سياق آيات الجهاد الّتي كانت تواجه المنافقين الّذين كانوا يثيرون نوازع القلق والحيرة والخوف في نفوس المؤمنين المندفعين إلى الجهاد ، ويحشدون أمامهم صورة القاعدين الّذين يستمتعون بالحياة في مواجهة صورة المجاهدين ، الّذين استسلموا لظلام العدم ووحشته عندما اندفعوا للموت والقتال ، فكانت المناسبة أن يفيض القرآن الحديث حول تفاصيل الحياة الّتي تنتظر المجاهدين لدى اللّه .

ما معنى الحياة للشّهداء ؟

وقد حاول بعض المفسّرين أن يدخل في تفاصيل هذه الحياة ، وقد برز في هذا المجال اتّجاهان : الاتّجاه الأوّل : الذّكر الجميل : باعتبار أنّه يمثّل امتداد الحياة في الدّنيا في وعي النّاس وتفكيرهم ، على الطّريقة الّتي يفكّر بها بعض الشّعراء ، حيث يقول :
دقات قلب المرء قائلة له * إنّ الحياة دقائق وثواني
فاحفظ لنفسك بعد موتك * ذكرها فالذّكر للإنسان عمر ثاني
ويفلسفون هذا الرّأي بأنّ الخطاب في هذه الآية للمؤمنين الّذين يعتقدون بالحياة الآخرة ، فلا معنى لإثارة ذلك في وجدانهم في أسلوب الرّدّ على فكرة انتهاء الحياة بالموت ، لأنّ ذلك لا يتناسب مع حقيقة الإيمان . ويضيفون إلى ذلك أنّ الآية مختصّة بالشّهداء مع أنّ الحياة في الآخرة حقيقة شاملة للجميع ، فلا بدّ من أن تكون الحياة متناسبة مع طبيعة الإيمان وموضوع الاختصاص ، وليس هناك إلّا الذّكر الجميل الخالد على مرّ العصور والأزمان . الاتّجاه الثّاني : الحياة البرزخيّة : وهناك فريق آخر يراها إشارة إلى الحياة البرزخيّة ، وهي ما بين الموت والحشر ، لأنّها ممّا يمكن أن يغفل عنها المسلمون ؛ لأنّها ليست من ضروريّات الدّين ، كأصل عقيدة البعث في الحياة الأخرى ، فهناك من ينكرها من المسلمين حتّى اليوم ، ممّن يعتقد كون النّفس غير مجرّدة عن المادّة ، وأنّ الإنسان يبطل وجوده بالموت وانحلال التّركيب ، ثمّ يبعثه اللّه إلى القضاء يوم القيامة . مناقشة الاتّجاهين ولكنّنا نرى أنّ الآية ليست في سياق التّركيز على طبيعة الحياة لننطلق في الاتّجاه الّذي ذهب إليه هؤلاء