يحاربون لصيانة أرواحهم . أولئك يحاربون من أجل الرّسالة ، ويندفعون بشوق عظيم نحو كسب وسام الشّهادة .
3 - الحياة البرزخيّة وبقاء الرّوح
هذه الآية تثبت بوضوح بقاء الرّوح والحياة البرزخيّة للبشر - الحياة بعد الموت وقبل البعث - ، وتردّ بصراحة على أولئك الّذين ينكرون تعرّض القرآن للحياة البرزخيّة وبقاء الرّوح .
سنفصّل الحديث في هذا الموضوع ، وفي موضوع خلود الشّهداء ومنزلتهم العظيمة ، في المجلّد الثّاني من هذا التّفسير عند تناولنا الآية : 169 ، من سورة آل عمران .
( 1 : 383 )
فضل اللّه : الشّهادة امتداد للحياة
وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ
من خلال الصّورة الظّاهريّة الّتي تتطلّع إلى الجانب المادّيّ في الجسد من حيث دوران الحياة مدار حركته وحيويّته ، فإذا فقدهما فقد الحياة ، فإنّ ذلك شأن المادّيّين الّذين لا يتصوّرون وجود حياة خارج نطاق هذا العالم في غيب اللّه ، الّذي أكّد في كتابه أنّ الإنسان لا يموت موتا أبديّا عندما تنطفئ الحياة في الجسد ، ولكنّه يحيا بعد ذلك ليعيش حياة جديدة في عالم الآخرة الّذي يقوم النّاس فيه لربّ العالمين ، لينالوا جزاء أعمالهم من خير أو شرّ . أمّا المؤمنون الّذين يؤمنون بالغيب وبالآخرة ، فإنّهم يواجهون الموت وفي وجدانهم التّطلّع إلى ما بعده من الحياة ، ولذلك فلا ينبغي لهم أن يطلقوا كلمة « الأموات » على الشّهداء الّذين يقتلون في سبيل اللّه ، بما يوحي بالفناء المطلق ، ويؤدّي إلى الإحساس بالمرارة في شعور المجاهدين أو أهلهم وإخوانهم ،
بَلْ أَحْياءٌ
تضجّ الحياة في وجودهم الجديد في عالم الغيب الّذي لا يعلمه إلّا اللّه ، لأنّه غريب عن عالم الشّعور . ولذلك فإنّكم لا تملكون القدرة على إثباته من ناحية التّجربة الّذي لا يعلمه إلّا اللّه ، لأنّه غريب عن عالم الشّعور . وذلكل فإنّكم لا تملكون القدرة عل إثباته من ناحيد التّجربة الذّاتيّة ؛ لافتقادكم وسائل الإحساس بهذا النّوع من الحياة ،
وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ
من خلال هذا العالم الّذي ينطلق فيه الشّعور من موقع الحسّ ، لا من موقع الغيب في علم اللّه .
وقد تكون هذه الآية واردة في نطاق تفريغ النّفس من المشاعر الإنسانيّة السّاذجة بالوحشة القادسية ، أمام حالة الموت الّتي تمثّل فقدان الحياة ، ممّا يؤدّي إلى الموقف السّلبيّ إزاء الدّعوة إلى الجهاد في سبيل اللّه ، في مجالات الصّراع مع الكفر والطّغيان والانحراف ، لأنّ النّفوس مجبولة على حبّ الحياة والامتداد فيها والرّغبة في كلّ ما يتّصل بها ، والبعد عن كلّ ما يسبّب فقدانها .
وهكذا كانت هذه الآية للإيحاء بامتداد الحياة للشّهداء الّذين يقتلون في سبيل اللّه ، ولكنّها تتحرّك في أجواء غير الأجواء الّتي يعيشها النّاس في هذه الحياة ، ولذلك فإنّهم لا يشعرون بها ولا يتحسّسونها ؛ لأنّ الإنسان لا يملك الوسائل الحسّيّة الّتي يمكنه من خلالها أن يدرك طبيعة الحياة الأخرى . وتلتقي هذه الآية بسياق آيات أخرى واردة في موردها ، وهي قوله تعالى :
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ . . .
آل عمران : 169 .
فقد نلاحظ أنّ الاتّجاه في هذه الآيات هو إثارة الرّغبة في الجهاد في سبيل اللّه ، وذلك من خلال إثارة الإحساس بامتداد الحياة في السّير في هذا الطّريق بشكل