تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 720

مساهمون:

ص٧٢٠
ومن أعجب الأمر ما ذكره بعض النّاس في الآية : أنّها نزلت في شهداء بدر ، فهي مخصوصة بهم فقط ، لا تتعدّاهم إلى غيرهم هذا ، ولقد أحسن بعض المحقّقين : من المفسّرين في تفسير قوله :
وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ
البقرة : 45 ؛ إذ سأل اللّه تعالى الصّبر على تحمّل أمثال هذه الأقاويل . وليت شعري ما ذا يقصده هؤلاء بقولهم هذا ؟ وعلى أيّ صفة يتصوّرون حياة شهداء بدر بعد قتلهم مع قولهم : بانعدام الإنسان بعد الموت والقتل ، وانحلال تركيبه وبطلانه ؟ أهو على سبيل الإعجاز : باختصاصهم من اللّه بكرامة لم يكرم بها النّبيّ الأكرم وسائر الأنبياء والمرسلين والأولياء المقرّبين ؛ إذ خصّهم اللّه ببقاء وجودهم بعد الانعدام ، فليس ذلك بإعجاز بل إيجاد محال ضروريّ الاستحالة ، ولا إعجاز في محال ، ولو جاز عند العقل إبطال هذا الحكم على بداهتها لم يستقم حكم ضروريّ فما دونه ؟ أم هو على نحو الاستثناء في حكم الحسّ بأن يكون الحسّ مخطئا في أمر هؤلاء الشّهداء ؟ فهم أحياء يرزقون بالأكل والشّرب وسائر التّمتّعات - وهم غائبون عن الحسّ - وما قاله الحسّ من أمرهم بالقتل وقطع الأعضاء وسقوط الحسّ وانحلال التّركيب ، فقد أخطأ في ذلك من رأس ، فلو جاز على الحسّ أمثال هذه الأغلاط فيصيب في شيء ، ويغلط في آخر من غير مخصّص ، بطل الوثوق به على الإطلاق ، ولو كان المخصّص هو الإرادة الإلهيّة احتاج تعلّقها إلى مخصّص آخر . والإشكال - وهو عدم الوثوق بالإدراك - على حاله ، فكان من الجائز أن نجد ما ليس بواقع واقعا ، والواقع ليس بواقع ، وكيف يرضى عاقل أن يتفوّه بمثل ذلك ؟ وهل هو إلّا سفسطة ؟ وقد سلك هؤلاء في قولهم هذا مسلك العامّة من المحدّثين ، حيث يرون أنّ الأمور الغائبة عن حواسّنا ممّا يدلّ عليه الظّواهر الدّينيّة من الكتاب والسّنّة ، كالملائكة وأرواح المؤمنين وسائر ما هو من هذا القبيل موجودات مادّيّة طبيعيّة ، وأجسام لطيفة تقبل الحلول والنّفوذ في الأجسام الكثيفة ، على صورة الإنسان ونحوه ، يفعل جميع الأفعال الإنسانيّة مثلا ، ولها أمثال القوى الّتي لنا ، غير أنّها ليست محكومة بأحكام الطّبيعة : من التّغيّر والتّبدّل والتّركيب وانحلاله ، والحياة والموت الطّبيعيّتين ، فإذا شاء اللّه تعالى ظهورها ظهرت لحواسّنا ، وإذا لم يشأ أو شاء أن لا تظهر لم تظهر ، مشيئة خالصة من غير مخصّص في ناحية الحواسّ ، أو تلك الأشياء . وهذا القول منهم مبنيّ على إنكار العلّيّة والمعلوليّة بين الأشياء ، ولو صحّت هذه الأمنيّة الكاذبة بطلت جميع الحقائق العقليّة ، والأحكام العلميّة ، فضلا عن المعارف الدّينيّة ، ولم تصل النّوبة إلى أجسامهم اللّطيفة المكرّمة الّتي لا تصل إليها يد التّأثير والتّأثّر المادّيّ الطّبيعيّ ، وهو ظاهر . فقد تبيّن بما مرّ أنّ الآية دالّة على الحياة البرزخيّة ، وهي المسمّاة بعالم القبر ، عالم متوسّط بين الموت والقيامة ينعّم فيه الميّت أو يعذّب حتّى تقوم القيامة . ومن الآيات الدّالّة عليه - وهي نظيرة لهذه الآية الشّريفة - قوله تعالى :
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 720 | مجمع البحوث الاسلامية