تعالى عنه .
وأمّا القول بحياة هذا الجسد الرّميم مع هدم بنيته وتفرّق أجزائه وذهاب هيئته - وإن لم يكن ذلك بعيدا عن قدرة من يبدأ الخلق ثمّ يعيده - لكن ليس إليه كثير حاجة ، ولا فيه مزيد فضل ، ولا عظيم منّة ، بل ليس فيه سوى إيقاع ضعفة المؤمنين بالشّكوك والأوهام ، وتكليفهم من غير حاجة بالإيمان بما يعدّون قائله من سفهة الأحلام .
وما يحكى من مشاهدة بعض الشّهداء الّذين قتلوا منذ مئات السّنين ، وأنّهم إلى اليوم تشخب جروحهم دما إذا رفعت العصابة عنها ، فذلك ممّا رواه - هيان بن بيان - وما هو إلّا حديث خرافة ، وكلام يشهد على مصدّقيه تقديم السّخافة .
هذا ، ثمّ إنّ نهي المؤمنين عن أن يقولوا في شأن الشّهداء : أموات ، إمّا أن يكون دفعا لإيهام مساواتهم لغيرهم في ذلك البرزخ - وتلك خصوصيّة لهم وإن شاركهم في النّعيم - بل وزاد عليهم بعض عباد اللّه تعالى المقرّبين ممّن يقال في حقّهم ذلك ، وإمّا أن يكون صيانة لهم عن النّطق بكلمة قالها أعداء الدّين والمنافقون في شأن أولئك الكرام ، قاصدين بها أنّهم حرموا من النّعيم ولم يروه أبدا .
وليس في الآية نهي عن نسبة الموت إليهم بالكلّيّة ؛ بحيث إنّهم ما ذاقوه أصلا ولا طرفة عين ، وإلّا لقال تعالى :
وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
ماتوا ، فحيث عدل عنه إلى ما ترى علم أنّهم امتازوا بعد أن قتلوا بحياة لائقة بهم ، مانعة عن أن يقال في شأنهم : ( أموات ) .
( 2 : 20 )
رشيد رضا : ( بل ) هم ( احياء ) في عالم غير عالمكم
وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ
بحياتهم ؛ إذ ليست في عالم الحسّ الّذي يدرك بالمشاعر .
ثمّ لا بدّ أن تكون هذه الحياة حياة خاصّة ، غير الّتي يعتقدها جميع الملّيّين في جميع الموتى من بقاء أرواحهم بعد مفارقة أشباحهم ، ولذلك ذهب بعض النّاس إلى أنّ حياة الشّهداء تتعلّق بهذه الأجساد - وإن فنيت أو احترقت أو أكلتها السّباع أو الحيتان - وقالوا : إنّها حياة لا نعرفها . ونحن نقول : مثلهم إنّنا لا نعرفها ، ونزيد إنّنا لا نثبت ما لا نعرف .
وقال بعضهم : إنّها حياة يجعل اللّه بها الرّوح في جسم آخر يتمتّع به ويرزق ، ورووا في هذا روايات منها الحديث الّذي أشار إليه المفسّر « الجلال » وهو : « إنّ أرواح الشّهداء عند اللّه في حواصل طيور خضر تسرح في الجنّة » .
وقيل : إنّها حياة الذّكر الحسن والثّناء بعد الموت .
وقيل : إنّ المراد بالموت والحياة : الضّلال والهدى . روي هذا عن الأصمّ ، أي لا تقولوا : إنّ باذل روحه في سبيل اللّه ضالّ بل هو مهتد . وقيل : إنّها حياة روحانيّة محضة .
وقيل : إنّ المراد أنّهم سيحيون في الآخرة ، وأنّ الموت ليس عدما محضا ، كما يزعم بعض المشركين ، فالآية عند هؤلاء على حدّ :
إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ
الانفطار : 13 ، 14 ، أي أنّ مصيرهم إلى ذلك .
قال الأستاذ الإمام بعد ذكر الخلاف : وقال بعض العلماء الباحثين في الرّوح : إنّ الرّوح إنّما تقوم بجسم