تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 717

مساهمون:

ص٧١٧
ويكفّنون في ثيابهم الّتي استشهدوا فيها ، فالغسل تطهير للجسد الميّت ، وهم أطهار بما فيهم من حياة ، وثيابهم في الأرض ثيابهم في القبر ، لأنّهم بعد أحياء . أحياء ، فلا يشقّ قتلهم على الأهل والأحبّاء والأصدقاء . أحياء يشاركون في حياة الأهل والأحبّاء والأصدقاء ، أحياء ، فلا يصعب فراقهم على القلوب الباقية خلفهم ، ولا يتعاظمها الأمر ، ولا يهولنّها عظم الفداء . ثمّ هم بعد كونهم أحياء مكرّمون عند اللّه ، مأجورون أكرم الأجر وأوفاه . ( 1 : 143 ) ابن عاشور : و
بَلْ
للإضراب الإبطاليّ ، إبطالا لمضمون المنهيّ عن قوله ، والتّقدير : بل هم أحياء ، وليس المعنى بل قولوا : هم أحياء ، لأنّ المراد إخبار المخاطبين هذا الخبر العظيم ، فقوله : ( احياء ) هو خبر مبتدإ محذوف ، وهو كلام مستأنف بعد ( بل ) الإضرابيّة . وإنّما قال :
وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ
للإشارة إلى أنّها حياة غير جسميّة ولا مادّيّة بل حياة روحيّة ، لكنّها زائدة على مطلق حياة الأرواح ، فإنّ للأرواح كلّها حياة وهي عدم الاضمحلال وقبول التّجسّد في الحشر ، مع إحساس ما بكونها آيلة إلى نعيم أو جحيم . وأمّا حياة الّذين قتلوا في سبيل اللّه فهي حياة مشتملة على إدراكات التّنعّم بلذّات الجنّة ، والعوالم العلويّة ، والانكشافات الكاملة ، ولذلك ورد في الحديث : « إنّ أرواح الشّهداء تجعل في حواصل طيور خضر ، ترعى من ثمر الجنّة وتشرب من مائها » . والحكمة في ذلك أنّ اتّصال اللّذّات بالأرواح متوقّف على توسّط الحواسّ الجسمانيّة ، فلمّا انفصلت الرّوح عن الجسد عوّضت جسدا مناسبا للجنّة ، ليكون وسيلة لنعيمها . ( 2 : 52 ) مغنيّة : ونظير هذه الآية
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ . . .
آل عمران : 169 . ومعلوم أنّ كلّ من يفارق هذه الحياة يرجع إلى ربّه لا محالة ، صالحا كان أو طالحا ، شهيدا أو غير شهيد ، سوى أنّ الصّالح ينتقل من حياة أدنى إلى حياة أعلى ، والطّالح بالعكس . وخصّ الشّهيد بالذّكر إمّا للتّنبيه على مكانته عند اللّه ترغيبا في الاستشهاد ، وإمّا لما نقل عن ابن عبّاس من أنّ الآية نزلت فيمن قتلوا يوم بدر ، وهم 14 « 1 » من المهاجرين ، و 8 ، من الأنصار ، فقيل : مات فلان وفلان فنزلت الآية :
وَلا تَقُولُوا
إلخ - وهذا غير بعيد ، لأنّ « لا تقولوا أموات » تشعر بذلك . ومهما يكن ، فإنّ الّذي يجب أن نؤمن به هو أنّ من استشهد دفاعا عن الإسلام أو عن أيّ شيء ينطبق عليه الحقّ والعدل والإنسانيّة ، فإنّه ينتقل من عالم الشّهادة إلى عالم الغيب ، ويحيا هناك حياة طيّبة ، وأنّه يمتاز عند اللّه عمّن مات حتف أنفه . قال أمير المؤمنين عليه السّلام : « والّذي نفس ابن أبي طالب بيده لألف ضربة بالسّيف أهون عليّ من ميتة على فراش » . أمّا حقيقة حياة الشّهيد بعد الموت ، وما هو الرّزق الّذي يتنعّم به فأمر لا نعرفه ، ولا نبحث عنه ، لأنّنا غير مكلّفين بمعرفته . ( 1 : 241 )
هامش
( 1 ) هكذا ، وفي كتب السّيرة والتّفاسير ستّة من المهاجرين وثمانية من الأنصار ، فكلّهم 14 رجلا .
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 717 | مجمع البحوث الاسلامية