وقيل : جسد آخر على صور أبدانهم في الدّنيا بحيث لو رأى الرّائيّ أحدهم لقال : رأيت فلانا - وإلى ذلك ذهب بعض الإماميّة - واستدلّوا بما أخرجه أبو جعفر مسندا إلى يونس بن ظبيان قال : « كنت عند أبي عبد اللّه جالسا فقال : ما تقول النّاس في أرواح المؤمنين ؟ قلت :
يقولون : في حواصل طير خضر في قناديل تحت العرش ، فقال أبو عبد اللّه : سبحان اللّه ! المؤمن أكرم على اللّه تعالى من أن يجعل روحه في حوصلة طائر أخضر يؤنس المؤمن ، إذا قبضه اللّه تعالى صيّر روحه في قالب كقالبه في الدّنيا ، فيأكلون ويشربون ، فإذا قدم عليهم القادم عرفوه بتلك الصّورة الّتي كانت في الدّنيا » .
ووجه الاستدلال - إذا كان المراد بالمؤمنين الشّهداء - ظاهر . وأمّا إذا كان المراد بهم سائر من آمن فيعلم منه حال الشّهداء ، وأنّ أرواحهم ليست في الحواصل بطريق الأولى .
وعندي أنّ الحياة في البرزخ ثابتة لكلّ من يموت من شهيد وغيره ، وأنّ الأرواح - وإن كانت جواهر قائمة بأنفسها - مغايرة لما يحسّ به من البدن ، لكن لا مانع من تعلّقها ببدن برزخيّ مغاير لهذا البدن الكثيف .
وليس ذلك من التّناسخ الّذي ذهب إليه أهل الضّلال ، وإنّما يكون منه لو لم تعد إلى جسم نفسها الّذي كانت فيه - والعود حاصل في النّشأة الجنانيّة - بل لو قلنا :
بعدم عودها إليه ، والتزمنا العود إلى جسم مشابه لما كان في الدّنيا ، مشتمل على الأجزاء النّطقيّة الأصليّة أو غير مشتمل ، لا يلزم ذلك التّناسخ أيضا ، لأنّهم قالوه على وجه نفوا به الحشر والمعاد ، وأثبتوا فيه سرمديّة عالم الكون والفساد .
وأنّ أرواح الشّهداء ثبت لها هذا التّعلّق على وجه يمتازون به عمّن عداهم : إمّا في أصل التّعلّق أو في نفس الحياة بناء على أنّها من المشكّك لا المتواطئ ، أو في نفس المتعلّق به مع ما ينضمّ إلى ذلك من البهجة والسّرور والنّعيم اللّائق بهم .
والّذي يميل القلب إليه أنّ لهاتيك الأبدان شبها تامّا صوريّا بهذه الأبدان ، وأنّ الموادّ مختلفة والأجزاء متفاوتة ؛ إذ فرق بين العالمين ، وشتّان ما بين البرزخين .
ويمكن حمل أحاديث الطّير على تشبيه هذه الأبدان الغضّة الطّريّة بسرعة حركتها وذهابها حيث شاءت بالطّير الخضر ، وتحمل الصّورة على الصّفة ، كما حملت على ذلك في حديث : « خلق آدم على صورة الرّحمن » .
واستبعاد أبي عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنه ما تقدّم محمول على ما يفهمه العامّة من ظاهر اللّفظ ، ولمزيد الإيضاح اللّائق بعوامّ وقته عدل عنه إلى عبارة لا يتراءى منها شائبة استبعاد ، كما يتراءى من ظاهر الحديث . حتّى أنّ بعض العلماء لذلك حملوا ( في ) فيه على ( على ) وهو إمّا تجاهل أو جهل بأنّ صغر المتعلّق أو ضيقه لو كان موجودا فيما نحن فيه لا يضرّ الرّوح شيئا ، ولا ينافي نعيمها ، أو ظنّ بأن لتلك الصّورة روحا غير روح الشّهيد ، فلا يمكن أن تتعلّق بها روحان ، والأمر على خلاف ما يظنّون .
وإن شئت قلت بتمثّل الرّوح نفسها صورة ، لأنّ الأرواح في غاية اللّطافة ، وفيها قوّة التّجسّد ، كما يشعر به ظهور الرّوح الأمين عليه السّلام بصورة دحية الكلبيّ رضي اللّه
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 714
مساهمون: مجمع البحوث الاسلامية
ص٧١٤