لا ينافي ذلك ، فقد روي عن الحسن : أنّ الشّهداء أحياء عند اللّه تعالى تعرض أرزاقهم على أرواحهم ، فيصل إليهم الرّوح والفرح كما تعرض النّار على أرواح آل فرعون غدوّا وعشيّا ، فيصل إليهم الوجع . فوصول هذا الرّوح إلى الرّوح هو الرّزق ، والامتياز ليس بمجرّد الحياة ، بل مع ما ينضمّ إليها من اختصاصهم بمزيد القرب من اللّه عزّ شأنه ، ومزيد البهجة والكرامة .
وذهب البلخيّ إلى نفي الحياة بالفعل عنهم مطلقا ، وأخرج الجملة الاسميّة - الدّالّة على الاستمرار المستوعب للأزمنة من وقت القتل إلى ما لا آخر له - عن ظاهرها وقال : معنى
بَلْ أَحْياءٌ
أنّهم يحيون يوم القيامة ، فيجزون أحسن الجزاء ، فالآية على حدّ :
إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ
الانفطار : 13 ، 14 ، وفائدة الإخبار بذلك الرّدّ على المشركين ؛ حيث قالوا : إنّ أصحاب محمّد : يقتلون أنفسهم ويخرجون من الدّنيا بلا فائدة ، ويضيّعون أعمارهم ، فكأنّه قيل : ليس الأمر كما زعمتم بل يحيون ويخرجون .
وذهب بعضهم إلى إثبات الحياة الحكميّة لهم بما نالوا من الذّكر الجميل والثّناء الجليل ، كما روي عن عليّ كرّم اللّه تعالى وجهه : « هلك خزّان الأموال والعلماء باقون ما بقي الدّهر ، أعيانهم مفقودة ، وآثارهم في القلوب موجودة » .
وحكي عن الأصمّ : أنّ المراد بالموت والحياة الضّلال والهدى ، أي لا تقولوا : هم أموات في الدّين ، ضالّون عن الصّراط المستقيم ، بل هم أحياء بالطّاعة ، قائمون بأعبائها .
ولا يخفى أنّ هذه الأقوال - ما عدا الأوّلين - في غاية الضّعف بل نهاية البطلان . والمشهور ترجيح القول الأوّل ، ونسب إلى ابن عبّاس وقتادة ومجاهد والحسن وعمرو بن عبيد وواصل بن عطاء والجبّائىّ والرّمّانيّ وجماعة من المفسّرين ، لكنّهم اختلفوا في المراد بالجسد .
فقيل : هو هذا الجسد الّذي هدمت بنيته بالقتل ، ولا يعجز اللّه تعالى أن يحلّ به حياة تكون سبب الحسّ والإدراك ، وإن كنّا نراه رمّة مطروحة على الأرض ، لا يتصرّف ، ولا يرى فيه شيء من علامات الإحياء .
فقد جاء في الحديث : « إنّ المؤمن يفسح له مدّ بصره ، ويقال له : نم نومة العروس » مع أنّا لا نشاهد ذلك ؛ إذ البرزخ برزخ آخر بمعزل عن أذهاننا وإدراك قوانا .
وقيل : جسد آخر على صورة الطّير تتعلّق الرّوح فيه . واستدلّ بما أخرجه عبد الرّزّاق عن عبد اللّه بن كعب ابن مالك قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « إنّ أرواح الشّهداء في صور طير خضر معلّقة في قناديل الجنّة حتّى يرجعها اللّه تعالى يوم القيامة » .
ولا يعارض هذا ما أخرجه مالك وأحمد والتّرمذيّ - وصحّحه - والنّسائيّ وابن ماجة ، عن كعب بن مالك :
إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إنّ أرواح الشّهداء في أجواف طير خضر تعلّق من ثمر الجنّة - أو - شجر الجنّة » ، ولا ما أخرجه مسلم في صحيحه عن ابن مسعود مرفوعا : « إنّ أرواح الشّهداء عند اللّه في حواصل طيور خضر ، تسرح في أنهار الجنّة حيث شاءت ، ثمّ تأوي إلى قناديل تحت العرش » ؛ لأنّ كونها في الأجواف أو في الحواصل يجامع كونها في تلك الصّور ؛ إذ الرّائيّ لا يرى سواها .