الطّباطبائيّ : ربّما يقال : إنّ الخطاب مع المؤمنين الّذين آمنوا باللّه ورسوله واليوم الآخر وأذعنوا بالحياة الآخرة ، ولا يتصوّر منهم القول ببطلان الإنسان بالموت ، بعد ما أجابوا دعوة الحقّ ، وسمعوا شيئا كثيرا من الآيات النّاطقة بالمعاد ، مضافا إلى أنّ الآية إنّما تثبت الحياة بعد الموت في جماعة مخصوصين ، وهم الشّهداء المقتولون في سبيل اللّه ، في مقابل غيرهم من المؤمنين وجميع الكفّار ، مع أنّ حكم الحياة بعد الموت عامّ شامل للجميع ، فالمراد بالحياة : بقاء الاسم ، والذّكر الجميل على مرّ الدّهور ، وبذلك فسّره جمع من المفسّرين .
ويردّه أوّلا : أنّ كون هذه حياة إنّما هو في الوهم فقط دون الخارج ، فهي حياة تخيّليّة ليس لها في الحقيقة إلّا الاسم ، ومثل هذا الموضوع الوهميّ لا يليق بكلامه ، وهو تعالى يدعوا إلى الحقّ ، ويقول :
فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ
يونس : 32 ، وأمّا الّذي سأله إبراهيم في قوله :
وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ
الشّعراء : 84 ، فإنّما يريد به بقاء دعوته الحقّة ، ولسانه الصّادق بعده ، لا حسن ثنائه وجميل ذكره بعده فحسب .
نعم هذا القول الباطل ، والوهم الكاذب إنّما يليق بحال المادّيّين ، وأصحاب الطّبيعة ، فإنّهم اعتقدوا : مادّيّة النّفوس وبطلانها بالموت ، ونفوا الحياة الآخرة ، ثمّ أحسّوا باحتياج الإنسان بالفطرة إلى القول ببقاء النّفوس وثأثّرها بالسّعادة والشّقاء ، بعد موتها في معالي أمور ، لا تخلو في الارتقاء إليها من التّفدية والتّضحية ، لا سيمّا في عظائم العزائم الّتي يموت ويقتل فيها أقوام ليحيا ويعيش آخرون ، ولو كان كلّ من مات فقد فات لم يكن داع للإنسان - وخاصّة إذا اعتقد بالموت والفوات - أن يبطل ذاته ليبقى ذات آخرين ، ولا باعث له أن يحرّم على نفسه لذّة الاستمتاع من جميع ما يقدر عليه بالجور ليتمتّع آخرون بالعدل ، فالعاقل لا يعطي شيئا إلّا ويأخذ بدله .
وأمّا الإعطاء من غير بدل ، والتّرك من غير أخذ ، كالموت في سبيل حياة الغير ، والحرمان في طريق تمتّع الغير فالفطرة الانسانيّة تأباه .
فلمّا استشعروا بذلك دعاهم جبر هذا النّقص إلى وضع هذه الأوهام الكاذبة ، الّتي ليس لها موطن الّا عرصة الخيال وحظيرة الوهم . قالوا : إنّ الإنسان الحرّ من رقّ الأوهام والخرافات يجب عليه أن يفدي بنفسه وطنه ، أو كلّ ما فيه شرفه ، لينال الحياة الدّائمة بحسن الذّكر وجميل الثّناء ، ويجب عليه أن يحرّم على نفسه بعض تمتّعاته في الاجتماع ليناله الآخرون ، ليستقيم أمر الاجتماع والحضارة ، ويتمّ العدل الاجتماعيّ ، فينال بذلك حياة الشّرف والعلاء .
وليت شعري إذا لم يكن إنسان ، وبطل هذا التّركيب المادّيّ ، وبطل بذلك جميع خواصّه ، ومن جملتها الحياة والشّعور ، فمن هو الّذي ينال هذه الحياة وهذا الشّرف ؟
ومن الّذي يدركه ويلتذّ به ؟ فهل هذا إلّا خرافة ؟
وثانيا : أنّ ذيل الآية ، وهو قوله تعالى :
وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ
لا يناسب هذا المعنى ، بل كان المناسب له أن يقال : بل أحياء ببقاء ذكرهم الجميل ، وثناء النّاس عليهم بعدهم ، لأنّه المناسب لمقام التّسلية وتطييب النّفس .
وثالثا : أنّ نظيرة هذه الآية - وهي تفسّرها - وصف حياتهم بعد القتل بما ينافي هذا المعنى ، قال تعالى :
وَلا