تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 716

مساهمون:

ص٧١٦
لطيف « أثيريّ » في صورة هذا الجسم المركّب الّذي يكون عليه الإنسان في الدّنيا ، وبواسطة ذلك الجسم الأثيريّ تجول الرّوح في هذا الجسم المادّيّ ، فإذا مات المرء وخرجت روحه فإنّما تخرج بالجسم الأثيريّ ، وتبقى معه وهو جسم لا يتغيّر ولا يتبدّل ولا يتحلّل . وأمّا هذا الجسم المحسوس فإنّه يتحلّل ويتبدّل في كلّ بضع سنين . قال : ويقرب هذا القول من مذهب المالكيّة ، فقد روي عن مالك رحمه اللّه تعالى أنّه قال : « إنّ الرّوح صورة كالجسد » أي لها صورة وما الصّورة إلّا عرض ، وجوهر هذا العرض هو الّذي سمّاه العلماء بالأثير . وإذا كان من خواصّ الأثير النّفوذ في الأجسام اللّطيفة والكثيفة - كما يقولون - حتّى أنّه هو الّذي ينقل النّور من الشّمس إلى طبقة الهواء ، فلا مانع أن تتعلّق به الرّوح المطلقة في الآخرة ، ثمّ هو يحلّ بها جسما آخر تنعم به وترزق ، سواء كان جسم طير أو غيره . وقد قال تعالى في آية أخرى :
أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
وهذا القول يقرّب معنى الآية من العلم . والمعتمد عند الأستاذ الإمام في هذه الحياة هو أنّها حياة غيبيّة تمتاز بها أرواح الشّهداء على سائر أرواح النّاس ، بها يرزقون وينعّمون ، ولكنّنا لا نعرف حقيقتها ولا حقيقة الرّزق الّذي يكون بها ، ولا نبحث عن ذلك ، لأنّه من عالم الغيب الّذي نؤمن به ونفوّض الأمر فيه إلى اللّه تعالى . ذكر اللّه تعالى فضل الشّهادة الّتي استهدف لها المؤمنون في سبيل الدّعوة إلى الحقّ والدّفاع عنه . ( 2 : 38 ) سيّد قطب :
وَلا تَقُولُوا . . .
إنّ هنالك قتلى سيخرّون شهداء في معركة الحقّ ، شهداء في سبيل اللّه ، قتلى أعزّاء أحبّاء ، قتلى كراما أزكياء - فالّذين يخرجون في سبيل اللّه ، والّذين يضحّون بأرواحهم في معركة الحقّ ، هم عادة أكرم القلوب وأزكى الأرواح وأطهر النّفوس - هؤلاء الّذين يقتلون في سبيل اللّه ليسوا أمواتا ، إنّهم أحياء . فلا يجوز أن يقال عنهم : أموات ، لا يجوز أن يعتبروا أمواتا في الحسّ والشّعور . ولا أن يقال عنهم : أموات بالشّفة واللّسان ، إنّهم أحياء بشهادة اللّه سبحانه ، فهم لا بدّ أحياء . إنّهم قتلوا في ظاهر الأمر ، وحسبما ترى العين . ولكن حقيقة الموت وحقيقة الحياة لا تقرّرهما هذه النّظرة السّطحيّة الظّاهرة ، إنّ سمة الحياة الأولى هي الفاعليّة والنّموّ والامتداد ، وسمة الموت الأولى هي السّلبيّة والخمود والانقطاع ، وهؤلاء الّذين يقتلون في سبيل اللّه فاعليّتهم في نصرة الحقّ الّذي قتلوا من أجله فاعليّة مؤثّرة ، والفكرة الّتي من أجلها قتلوا ترتوي بدمائهم وتمتدّ ، وتأثّر الباقين وراءهم باستشهادهم يقوّى ويمتدّ ، فهم ما يزالون عنصرا فعّالا دافعا مؤثّرا في تكييف الحياة وتوجيهها . وهذه هي صفة الحياة الأولى ، فهم أحياء أوّلا بهذا الاعتبار الواقعيّ في دنيا النّاس . ثمّ هم أحياء عند ربّهم ، إمّا بهذا الاعتبار ، وإمّا باعتبار آخر لا ندري نحن كنهه ، وحسبنا إخبار اللّه تعالى به :
أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ ،
لأنّ كنه هذه الحياة فوق إدراكنا البشريّ القاصر المحدود ، ولكنّهم أحياء . أحياء ، ومن ثمّ لا يغسّلون كما يغسّل الموتى ،