مزيّة ، انتهى .
وقد يردّ بأنّ الشّهداء فضّلوا على غيرهم بأنّهم يرزقون من مطاعهم الجنّة ومآكلها ، وغيرهم من المؤمنين منعّمون بما دون ذلك .
وفي الحديث : أرواحهم في حواصل طيور خضر تسرح في أنهار الجنّة حيث شاءت ، ثمّ تأوى إلى قناديل تحت العرش . [ ثمّ نقل كلام الحسن وقال : ]
وعلى هذا فتخصيص الشّهداء لاختصاصهم بالقرب من اللّه ، ومزيد السّرور والكرامة . والأرواح جواهر قائمة بأنفسها تبقى بعد الموت درّاكة ، كما عليه جمهور الصّحابة والتّابعين ، ونطقت به الآيات والسّنن .
( 1 : 105 )
البروسويّ :
وَلا تَقُولُوا
نزلت في شهداء بدر وكانوا أربعة عشر رجلا : ستّة من المهاجرين ، وثمانية من الأنصار ، وكان النّاس يقولون لمن يقتل في سبيل اللّه :
مات فلان وذهب عنه نعيم الدّنيا ولذّتها ، فأنزل اللّه تعالى :
وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ
القتل : نقض البنية الحيوانيّة ،
فِي سَبِيلِ اللَّهِ
وهو الجهاد ؛ لأنّه طريق إلى ثواب اللّه ورحمته .
أَمْواتٌ
أي هم أموات ،
بَلْ أَحْياءٌ
أي كالأحياء في الحكم ، لا ينقطع ثواب أعمالهم ، لأنّهم قتلوا لنصرة دين اللّه ، فما دام الدّين ظاهرا في الدّنيا وأحد يقاتل في سبيل اللّه ، فلهم ثواب ذلك ؛ لأنّهم سنّوا هذه السّنّة ،
وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ
كيف حالهم في حياتهم . وفيه رمز إلى أنّها ليست ممّا يشعر به بالمشاعر الظّاهرة من الحياة الجسمانيّة ، وإنّما هي أمر روحانيّ لا يدرك بالعقل بل بالوحي .
وفي الآية دلالة على أنّ الأرواح جواهر قائمة بأنفسها ، مغايرة لما يحسّ به من البدن ، تبقى بعد الموت درّاكة ، وعليه الجمهور .
فإن قلت : الحياة الرّوحانيّة المستتبعة لإدراك اللّذّة والألم مشتركة في الجميع ، فما وجه تخصيص الشّهداء بها ؟
قلت : لاختصاصهم بالقرب من اللّه تعالى ، ومزيد البهجة والكرامة ، ومن لم يبلغ منزلتهم لا تكون حياته معتدّا بها ، فكأنّه ليس بحيّ . قال تعالى في حقّ أهل النّار :
لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى . *
[ ثمّ بحث في حقيقة النّفس الإنسانيّة فلاحظ ] ( 1 : 258 )
الآلوسيّ :
بَلْ أَحْياءٌ
أي بل هم أحياء ، والجملة معطوفة على
لا تَقُولُوا
إضراب عنه ، وليس من عطف المفرد على المفرد ليكون في حيّز القول ، ويصير المعنى بل قولوا : أحياء ، لأنّ المقصود إثبات الحياة لهم ، لا أمرهم بأن يقولوا في شأنهم : إنّهم أحياء ، وإن كان ذلك أيضا صحيحا
وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ ،
أي لا تحسّون ولا تدركون ما حالهم بالمشاعر ، لأنّها من أحوال البرزخ الّتي لا يطّلع عليها ، ولا طريق للعلم بها إلّا بالوحي .
واختلف في هذه الحياة ، فذهب كثير من السّلف : إلى أنّها حقيقيّة بالرّوح والجسد ، ولكنّا لا ندركها في هذه النّشأة ، واستدلّوا بسياق قوله تعالى :
عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
وبأنّ الحياة الرّوحانيّة الّتي ليست بالجسد ليست من خواصّهم ، فلا يكون لهم امتياز بذلك على من عداهم .
وذهب البعض : إلى أنّها روحانيّة ، وكونهم يرزقون