لا يبقى له ذكر بعد موته كالولد وغيره ميّتا .
وقيل : أموات بالضّلال بل أحياء بالطّاعة والهدى ، كما قال :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ .
وإذا حمل الموت والحياة على الحقيقة ، فاختلفوا فقال قوم : معناه النّهي عن قول الجاهليّة أنّهم لا يبعثون ، فالمعنى أنّهم سيحيون بالبعث ، فيثابون ثواب الشّهداء الّذين قتلوا في سبيل اللّه .
وأكثر أهل العلم على أنّهم أحياء في الوقت ، ومعنى هذه الحياة بقاء أرواحهم دون أجسادهم ؛ إذ أجسادهم نشاهد فسادها وفناءها . واستدلّوا على بقاء الأرواح بعذاب القبر ، وبقوله :
وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ
معناه لا تشعرون بكيفيّة حياتهم ، ولو كان المعنيّ ب ( أحياء ) أنّهم سيحيون يوم القيامة ، أو أنّهم على هدى ونور ، لم يظهر لنفي الشّعور معنى ، إذ هو خطاب للمؤمنين - وهم قد علموا بالبعث ، وبأنّهم كانوا على هدى - فلا يقال فيه :
وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ ،
لأنّهم قد شعروا به وبقوله :
وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ .
وقد ذهب بعض النّاس إلى أنّ الشّهيد حيّ الجسد والرّوح ، ولا يقدح في ذلك عدم الشّعور به من الحيّ غيره ، فنحن نراهم على صفة الأموات وهم أحياء ، كما قال تعالى :
وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ
النّمل : 88 ، وكما ترى النّائم على هيئة ، وهو يرى في منامه ما ينعّم به أو يتألّم به . . .
فاختلف في مستقرّها ، فقيل : قبورهم ، يرزقون فيها ، وقيل : في قباب بيض في الجنة ، يرزقون فيها . [ ثمّ نقل الأقوال وقال : ]
والجمهور على أنّهم في الجنّة ، ويؤيّده قوله صلّى اللّه عليه وسلّم لأمّ حارثة : إنّهم في الفردوس . ومذهب أهل السّنّة أنّ الأرواح لا تفنى ، وأنّها باقية بعد خروجها من البدن ، فأرواح أهل السّعادة منعّمة إلى يوم الدّين ، وأرواح أهل الشّقاوة معذّبة إلى يوم الدّين . والفرق بين الشّهيد وغيره من المؤمنين إنّما هو الرّزق فضّلهم اللّه بذلك ، وقال تعالى في حقّ الكفّار :
النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا
المؤمن : 46 . . .
وقالوا يجوز أن يجمع اللّه من أجزاء الشّهيد جملة فيحييها ويوصل إليها النّعيم ، وإن كانت في حجم الذّرّة .
ولم تتعرّض الآية الكريمة لرزق أرواح الشّهداء ، ولا لمستقرّها ، وإنّما جرى ذكر ذلك على سبيل الاستطراد اتّباعا للمفسّرين ؛ حيث تكلّموا في ذلك في هذه الآية ، وإلّا فمظنّة الكلام على ذلك في قول :
بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
حيث ذكر العنديّة والرّزق . وظاهر قوله :
لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
العموم .
وقيل : نزلت في شهداء بدر كانوا أربعة عشر ، ولا يخصّص هذا العموم بهذا السّبب ، بل العبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص السّبب . وفي هذه الآية تسلية لأقرباء الشّهداء وإخوانهم من المؤمنين ، بذكر أنّهم أحياء فهم مغبوطون لا محزون عليهم . ( 1 : 448 )
الشّربينيّ : [ نقل كلام البيضاويّ وقال : ]
وهذا ما عليه أكثر المفسّرين . وقال ابن عادل :
ويحتمل أنّ حياتهم بالجسد وإن لم تشاهد ، وأيّد بأنّ حياة الرّوح ثابتة لجميع الأموات بالاتّفاق ، فلو لم تكن حياة الشّهيد بالجسد لاستوى هو وغيره ، ولم تكن له