وجعله في « الكشّاف » عطفا على
فالِقُ الْحَبِّ ،
بناء على أنّ مضمون قوله :
مُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ
ليس فيه بيان لمضمون
فالِقُ الْحَبِّ ،
لأنّ فلق الحبّ ينشأ عنه إخراج الحيّ من الميّت لا العكس ، وهو خلاف الظّاهر ، لأنّ علاقة وصف :
مُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ
بخبر
يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ
أقوى من علاقته بخبر
فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى .
وقد جيء بجملة :
يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ
فعليّة ، للدّلالة على أنّ هذا الفعل يتجدّد ويتكرّر في كلّ آن ، فهو مراد معلوم ، وليس على سبيل المصادفة والاتّفاق .
وجيء في قوله :
وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ
اسما للدّلالة على الدّوام والثّبات . فحصل بمجموع ذلك أنّ كلا الفعلين متجدّد وثابت ، أي كثير وذاتيّ ؛ وذلك لأنّ أحد الإخراجين ليس أولى بالحكم من قرينه ، فكان في الأسلوب شبه الاحتباك . ( 6 : 231 )
مغنيّة : لا غرابة أن يتولّد من الكائن الحيّ حيّ مثله ، وأن ينفصل من الجماد جماد ، وإنّما العجب أن يتولّد الجماد من الحيّ ، وبالعكس . وقال قائل : إنّ الحياة تتولّد من القوى الطّبيعيّة .
ونسأل هذا القائل ، ومن الّذي أوجد الطّبيعة وقواها وتفاعلها ؟ وإذا كان مجرّد التّفاعل كافيا وافيا لإيجاد الحياة ، دون أن تتدخّل العناية الإلهيّة ، فلماذا عجز علماء الطّبيعة أن يصنعوا الحياة في معاملهم ؟ كما يصنعون أدوات المطبخ وما إليها ، مع أنّهم قد حاولوا وأوجدوا ألف تفاعل وتفاعل ، وبعد اليأس أعلنوا أنّ صنع الحياة أصعب منالا من رجوع الشّيخ إلى صباه وطفولته .
ولنسلّم جدلا أنّهم ينجحون في خلق خليّة حيّة ، فهل ينجحون في صنع حشرة تعمل بنظام ، كما تعمل أتفه الحشرات ؟ ولندع الإنسان ودماغ الإنسان ، والحيوان وعجائبه في خلقه ، ونضرب أمثلة من الحشرات الّتي ننفر منها ، ونستعمل المبيدات لها . يقول المتخصّصون بدراسة الحشرات :
« إنّ بعضها يعيش في درجة 50 مئويّة تحت الصّفر ، وبعضها يعيش هذه الدّرجة فوق الصّفر ، وبعضها يعيش في الهواء السّامّ ، وبعضها في آبار البترول ، ولها نظم متقنة في حياتها وأعمالها ، وإذا اخترع الإنسان الصّواريخ والأقمار الصّناعيّة والعقول الألكترونيّة ، فمن المؤكّد أنّه لا يستطيع أن يصنع في المعمل جناح بعوضة ، ولا خليّة من جناحها ، فالعقل الإنسانيّ عظيم ، ولكن عظمته تصبح عجزا مطلقا أمام القدرة الهائلة الّتي خلقت بعوضة أو نملة أو نحلة ! ! وكلّ هذه بديهيّات . ولكنّ المصيبة الكبرى أنّنا ننسى فلا ننظر إلى ما في أعماقنا ، إلى مظهر من مظاهر القدرة الإلهيّة الحكيمة ، فإذا نظرنا ازددنا إيمانا بما هو أكبر ، ومن هو أكبر ، وكلّ ما نحتاج إليه هو الإيمان ، وكلّ ما يحتاج إليه إيماننا هو العقل ، لأنّ الإيمان بغير عقل كالوجه بلا عينين » .
أجل ، نحن بحاجة إلى الإيمان بقدرة اللّه لنفسّر بها ما تعجز عن تفسيره عقول العباقرة ، وقد اعترفت هذه العقول بالعجز عن تفسير الحياة بالطّبيعة ، والتجأ الكثيرون من أربابها إلى ما وراء الطّبيعة ، إلى قدرة حكيمة عليمة يفسّرون بها أصل الحياة
ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى