تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 695

مساهمون:

ص٦٩٥
إذا عرفت هذا فللنّاس في تفسير هذا ( الحىّ ) و ( الميّت ) قولان : الأوّل : حمل هذين اللّفظين على الحقيقة . قال ابن عبّاس : يخرج من النّطفة بشرا حيّا ، ثمّ يخرج من البشر الحيّ نطفة ميّتة ، وكذلك يخرج من البيضة فرّوجة حيّة ، ثمّ يخرج من الدّجاجة بيضة ميّتة ، والمقصود منه أنّ الحيّ والميّت متضادّان متنافيان ، فحصول المثل عن المثل يوهم أن يكون بسبب الطّبيعة والخاصّيّة . أمّا حصول الضّدّ من الضّدّ ، فيمتنع أن يكون بسبب الطّبيعة والخاصّيّة ، بل لا بدّ وأن يكون بتقدير المقدّر الحكيم ، والمدبّر العليم . والقول الثّاني : أن يحمل ( الحىّ ) و ( الميّت ) على ما ذكرناه ، وعلى الوجوه المجازيّة أيضا ، وفيه وجوه : الأوّل : قال الزّجّاج : يخرج النّبات الغضّ الطّريّ الخضر من الحبّ اليابس ، ويخرج اليابس من النّبات الحيّ النّامي . الثّاني : قال ابن عبّاس : يخرج المؤمن من الكافر ، كما في حقّ إبراهيم ، والكافر من المؤمن كما في حقّ ولد نوح ، والعاصي من المطيع ، وبالعكس . الثّالث : قد يصير بعض ما يقطع عليه بأنّه يوجب المضرّة سببا للنّفع العظيم ، وبالعكس . ذكروا في الطّبّ أنّ إنسانا سقوه الأفيون الكثير في الشّراب لأجل أن يموت ، فلمّا تناوله وظنّ القوم أنّه سيموت في الحال ، رفعوه من موضعه ووضعوه في بيت مظلم ، فخرجت حيّة عظيمة فلدغته ، فصارت تلك اللّدغة سببا لاندفاع ضرر ذلك الأفيون منه ، فإنّ الأفيون يقتل بقوّة برده ، وسمّ الأفعيّ يقتل بقوّة حرّه ، فصارت تلك اللّدغة سببا لاندفاع ضرر الأفيون ، فهاهنا تولّد عمّا يعتقد فيه كونه أعظم موجبات الشّرّ ! أعظم الخيرات . وقد يكون بالعكس من ذلك ، وكلّ هذه الأحوال المختلفة والأفعال المتدافعة تدلّ على أنّ لهذا العالم مدبّرا حكيما ، ما أهمل مصالح الخلق ، وما تركهم سدى ، وتحت هذه المباحث مباحث عالية شريفة . [ إلى أن قال : ] البحث الثّالث : أنّ لقائل أن يقول : إنّه قال أوّلا :
يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ،
ثمّ قال :
وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ
وعطف الاسم على الفعل قبيح ، فما السّبب في اختيار ذلك ؟ قلنا : قوله :
وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ
معطوف على قوله :
فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى ،
وقوله :
يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ
كالبيان والتّفسير لقوله :
فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى ،
لأنّ فلق الحبّ والنّوى بالنّبات والشّجر النّامي من جنس إخراج الحيّ من الميّت ، لأنّ النّامي في حكم الحيوان . ألا ترى إلى قوله :
وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها
الرّوم : 19 . وفيه وجه آخر ، وهو أنّ لفظ الفعل يدلّ على أنّ ذلك الفاعل يعتني بذلك الفعل في كلّ حين وأوان . وأمّا لفظ الاسم فإنّه لا يفيد التّجدّد والاعتناء به ساعة فساعة . وضرب الشّيخ عبد القاهر الجرجانيّ لهذا مثلا في كتاب « دلائل الإعجاز » فقال : قوله :
هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ
فاطر : 3 ، إنّما ذكره بلفظ الفعل ، وهو قوله :
يَرْزُقُكُمْ ؛
لأنّ صيغة الفعل تفيد أنّه تعالى يرزقهم حالا فحالا وساعة فساعة . وأمّا الاسم فمثاله قوله تعالى :
وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ