تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 697

مساهمون:

ص٦٩٧
يدلّ على أنّ الفاعل معتن بالفعل في كلّ حين وأوان ، وأمّا لفظ الاسم فإنّه لا يفيد التّجدّد والاعتناء به ساعة فساعة . ويرشد إلى هذا ما ذكره الشّيخ عبد القاهر في « دلائل الإعجاز » . [ وذكر ما حكاه عنه الفخر الرّازيّ ثمّ قال : ] وإذا ثبت ذلك يقال : لمّا كان الحيّ أشرف من الميّت وجب أن يكون الاعتناء بإخراج الحيّ من الميّت أكثر من الاعتناء بإخراج الميّت من الحيّ ، فلذا وقع التّعبير عن القسم الأوّل بصيغة الفعل ، وعن الثّاني بصيغة الاسم ، تنبيها على أنّ الاعتناء بإيجاد الحيّ من الميّت أكثر وأكمل من الاعتناء بإيجاد الميّت من الحيّ . ثمّ العطف - لاشتمال الكلام به على زيادة - لا يضرّ بكون الجملة بيانا لما تقدّم ، كما لا يضرّ شمول الحيّ والميّت في الجملة المعطوف عليها للحيوان والنّبات فيه . وأيّا مّا كان فلا بدّ من القول بعموم المجاز ، أو الجمع بين المجاز والحقيقة على مذهب من يرى صحّته ، إن قلنا : إنّ الحيّ حقيقة فيمن يكون موصوفا بالحياة ، وهي صفة توجب صحّة الإدراك والقدرة ، والميّت حقيقة فيمن فارقته تلك الصّفة أو نحو ذلك . وإنّ إطلاقه على نحو النّبات والشّجر الغضّ والحبّ والنّوى مجاز . وبهذا يشعر كلام الإمام ، فإنّه جعل ما نقل عن الزّجّاج : أنّ المعنى يخرج النّبات الغضّ الطّريّ من الحبّ اليابس ، ويخرج الحبّ اليابس من النّبات الحيّ النّامي من الوجوه المجازيّة ، كالمرويّ عن ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما من أنّ المعنى : يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن . ( 7 : 226 ) ابن عاشور : وجملة :
يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ
في محلّ خبر ثان عن اسم ( انّ ) تتنزّل منزلة بيان المقصود من الجملة قبلها ، وهو الفلق الّذي يخرج منه نبتا ، أو شجرا ناميا ذا حياة نباتيّة ، بعد أن كانت الحبّة والنّواة جسما صلبا لا حياة فيه ولا نماء . فلذلك رجّح فصل هذه الجملة عن الّتي قبلها ، إلّا أنّها أعمّ منها ، لدلالتها على إخراج الحيوان من ماء النّطفة أو من البيض ، فهي خبر آخر ، ولكنّه بعمومه يبيّن الخبر الأوّل ، فلذلك يحسن فصل الجملة ، أو عدم عطف أحد الأخبار . وعطف على
يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ
قوله :
وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ؛
لأنّه إخبار بضدّ مضمون ،
يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ
وصنع آخر عجيب دالّ على كمال القدرة وناف تصرّف الطّبيعة بالخلق ؛ لأنّ الفعل الصّادر من العالم المختار يكون على أحوال متضادّة بخلاف الفعل المتولّد عن سبب طبعيّ . وفي هذا الخبر تكملة بيان لما أجمله قوله :
فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى ،
لأنّ فلق الحبّ عن النّبات ، والنّوى عن الشّجر ، يشمل أحوالا مجملة ، منها حال إثمار النّبات والشّجر حبّا ييبس - وهو في قصب نباته - فلا تكون فيه حياة ، ونوى في باطن الثّمار يبسا لا حياة فيه كنوى الزّيتون والتّمر . ويزيد على ذلك البيان بإخراج البيض واللّبن والمسك واللّؤلؤ وحجر « البازهر » من بواطن الحيوان الحيّ ، فظهر صدور الضّدّين عن القدرة الإلهيّة تمام الظّهور . وقد رجح عطف هذا الخبر ؛ لأنّه كالتّكملة لقوله :
يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ،
أي يفعل الأمرين معا كقوله بعده :
فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً
الأنعام : 96 .