فالحيّ والميّت مجازيّان ، ولطف هذه الجملة بعد الأولى لا يخفى ، والقائلون بعموم المجاز قالوا : المراد تخرج الحيوانات من النّطف والنّطف من الحيوانات ، والنّخلة من النّواة والنّواة من النّخلة ، والطّيّب من الخبيث والخبيث من الطّيّب ، والعالم من الجاهل والجاهل من العالم ، والذّكيّ من البليد والبليد من الذّكيّ إلى غير ذلك .
ولا يلزم من الآية أن يكون إخراج كلّ حيّ من ميّت وكلّ ميّت من حيّ ، ليلزم التّسلسل في جانب المبدئ ؛ إذ غاية ما تفهّمه الآية أنّ للّه تعالى هذه الصّفة ، وأمّا أنّه لا يخلق شيئا إلّا من شيء فلا ، كما لا يخفى .
( 3 : 118 )
ابن عاشور : إخراج الحيّ من الميّت كخروج الحيوان من المضغة ، ومن مخّ البيضة ، وإخراج الميّت من الحيّ في عكس ذلك كلّه . وسيجيء زيادة بيان لهذا عند قوله :
وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ
يونس : 31 ، وهذا رمز إلى ظهور الهدى والملك في أمّة أمّيّة ، وظهور ضلال الكفر في أهل الكتابين ، وزوال الملك من خلفهم بعد أن كان شعار أسلافهم ، بقرينة افتتاح الكلام بقوله :
اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ
آل عمران : 26 . ( 3 : 69 )
الطّباطبائيّ : وذلك إخراج المؤمن من صلب الكافر ، وإخراج الكافر من صلب المؤمن ، فإنّه تعالى سمّى الإيمان : حياة ونورا ، والكفر موتا وظلمة ، كما قال تعالى :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها
الأنعام : 122 .
ويمكن أن يراد الأعمّ من ذلك ومن خلق الأحياء ، كالنّبات والحيوان من الأرض العديمة الشّعور ، وإعادة الأحياء إلى الأرض بإماتتها ، فإنّ كلامه تعالى كالصّريح في أنّه يبدّل الميّت إلى الحيّ والحيّ إلى الميّت ، قال تعالى :
ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ
المؤمنون : 14 ، 15 ، إلى غيرها من الآيات .
وأمّا ما ذهب إليه بعض علماء الطّبيعة : - أنّ الحياة الّتي تنتهي إلى جراثيمها تسلك فيها سلوكا من جرثومة حيّة إلى أخرى مثلها ، من غير أن تنتهي إلى المادّة الفاقدة للشّعور ، وذلك لإنكاره الكون الحادث ، فيبطله الموت المحسوس الّذي تثبته التّجربة في جراثيم الحياة ، فتبدّل الحياة إلى الموت - يكشف عن الرّبط بينهما ، ولبقيّة الكلام مقام آخر . ( 3 : 136 )
مكارم الشّيرازيّ : إنّ معنى خروج الحيّ من الميّت ، هو ظهور الحياة من كائنات عديمة الحياة . فنحن نعلم أنّه في اليوم الّذي استعدّت فيه الأرض لاستقبال الحياة ، ظهرت كائنات حيّة من كائنات عديمة الحياة .
أضف إلى ذلك أنّ موادّ لا حياة فيها تصبح باستمرار أجزاء من خلايانا الحيّة وخلايا جميع الكائنات الحيّة في العالم ، وتتبدّل إلى موادّ حيّة .
أمّا خروج الميّت من الحيّ فهو دائم الحدوث أمام أنظارنا .
إنّ الآية - في الواقع - إشارة إلى قانون التّبادل الدّائم بين الحياة والموت ، وهو أعمّ القوانين الّتي تحكمنا وأعقدها ، كما أنّه أروعها في الوقت نفسه .
لهذه الآية تفسير آخر أيضا - لا يتعارض مع