التّفسير السّابق - وهو مسألة الحياة والموت المعنويّين ، فنحن كثيرا ما نرى أنّ بعض المؤمنين - وهم الأحياء الحقيقيّون - يخرجون من بعض الكافرين - وهم الأموات الحقيقيّون - . وقد يحدث العكس ، حين يخرج الكافر من المؤمن .
إنّ القرآن يعبّر عن الحياة والموت المعنويّين بالإيمان والكفر في كثير من آياته .
وبموجب هذا التّفسير يكون القرآن قد ألغى قانون الوراثة الّذي يعتبره بعض العلماء من قوانين الطّبيعة الثّابتة ، فالإنسان يتميّز بحرّيّة الإرادة ، وليس مثل الكائنات غير الحيّة في الطّبيعة الّتي تقع تحت تأثير مختلف العوامل وقوعا إجباريّا . وهذا بذاته مظهر من مظاهر قدرة اللّه الّتي تغسل آثار الكفر في نفوس أبناء الكافرين - أولئك الّذين يريدون حقّا أن يكونوا مؤمنين - ويغسل آثار الإيمان من أبناء المؤمنين - الّذين يريدون حقّا أن يكونوا كافرين - وهذا الاستقلال في الإرادة ، القادر على الانتصار ، حتّى في ظروف غير مؤاتية ، من مظاهر قدرة اللّه أيضا . . . ( 2 : 330 )
2 -
إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ .
الأنعام : 95
ابن عبّاس :
يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ
النّسمة والدّوابّ من النّطفة .
وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ
النّطفة من النّسمة والدّوابّ . ( 115 )
يخرج النّطفة الميّتة من الحيّ ، ثمّ يخرج من النّطفة بشرا حيّا . ( الطّبريّ 7 : 282 )
نحوه الحسن ، وقتادة ، وابن زيد .
( الطّبرسيّ 2 : 338 )
ذلك كلّه إشارة إلى إخراج الإنسان الحيّ من النّطفة الميّتة ، وإخراج النّطفة الميّتة من الإنسان الحيّ ، وكذلك سائر الحيوان والطّير من البيض والحوت وجميع الحيوان .
( ابن عطيّة 2 : 325 )
الحسن : يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن . ( ابن عطيّة 2 : 325 )
مثله عطاء . ( الواحديّ 2 : 302 )
السّدّيّ : مخرج السّنبلة الحيّة من الحبّة الميّتة ، ويخرج الحبّة الميّتة من السّنبلة الحيّة ، ويخرج النّخلة الحيّة من النّواة الميّتة ، ويخرج النّواة الميّتة من النّخلة الحيّة .
( 248 )
الجبّائيّ : يخرج الطّير من البيض والبيض من الطّير . ( الطّبرسيّ 2 : 338 )
الطّبريّ : يخرج السّنبل الحيّ من الحبّ الميّت ، ومخرج الحبّ الميّت من السّنبل الحيّ ، والشّجر الحيّ من النّوى الميّت ، والنّوى الميّت من الشّجر الحيّ ، والشّجر ما دام قائما على أصوله لم يجفّ ، والنّبات على ساقه لم ييبس ، فإنّ العرب تسمّيه حيّا ، فإذا يبس وجفّ أو قطع من أصله ، سمّوه ميّتا .
وإنّما اخترنا التّأويل الّذي اخترنا في ذلك ، لأنّه عقيب قوله :
إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى
على أنّ قوله :
يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ .