« دارون » لاهتدائه إليها . وتقريره أنّ الماء هو مهد الحياة الأوّل .
وهي حقيقة تثير الانتباه حقّا ، وإن كان ورودها في القرآن الكريم لا يثير العجب في نفوسنا ، ولا يزيدنا يقينا بصدق هذا القرآن . فنحن نستمدّ الاعتقاد بصدقه المطلق في كلّ ما يقرّره من إيماننا بأنّه من عند اللّه ، لا من موافقة النّظريّات أو الكشوف العلميّة له . وأقصى ما يقال هنا كذلك : إنّ نظريّة النّشوء والارتقاء « لدارون » وجماعته لا تعارض مفهوم النّصّ القرآنيّ في هذه النّقطة بالذّات .
( 4 : 2376 )
مغنيّة : بيانه أنّ الماء مصدر الحياة لكلّ نام ، إنسانا كان أو حيوانا أو نباتا وجاء في الآية : 7 ، من سورة هود :
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ . . .
أنّ الآية تدلّ على أنّ الماء كان موجودا قبل خلق السّماوات والأرض .
وفي أقوال أهل البيت عليهم السّلام أنّ الماء أوّل ما خلق اللّه .
وإذا كان العلم لم يتوصّل بعد إلى هذه الحقيقة ، فمن الجائز أن يتوصّل إليها في الغد القريب أو البعيد .
ونقل أبو حيّان الأندلسيّ في « البحر المحيط » أنّ حميدا قرأ ( وجعلنا من الماء كلّ شئ حيّا ) بنصب « حيّ » مفعولا ثانيا ل ( جعلنا ) . وهذه القراءة تؤيّد القول :
إنّ اللّه سبحانه أوّل ما خلق الماء ، وإنّه المصدر الأوّل الّذي تكوّنت منه الموجودات ، وإنّ كلّ كائن هو حيّ في حقيقته وواقعه ناميا كان أو غير نام ، وإن بدا جامدا في ظاهره . ( 5 : 273 )
ابن عاشور : زيادة استدلال بما هو أظهر لرؤية الأبصار ، وفيه عبرة للنّاس في أكثر أحواله ، وهو عبرة للمتأمّلين في دقائقه في تكوين الحيوان من الرّطوبات ، وهي تكوين التّناسل وتكوين جميع الحيوان ، فإنّه لا يتكوّن إلّا من الرّطوبة ، ولا يعيش إلّا ملابسا لها ، فإذا انعدمت منه الرّطوبة فقد الحياة ، ولذلك كان استمرار الحمّى مفضيا إلى الهزال ثمّ إلى الموت . ( 17 : 42 )
الطّباطبائيّ : ظاهر السّياق أنّ الجعل بمعنى الخلق ،
كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ
مفعوله ، والمراد : أنّ للماء دخلا تامّا في وجود ذوي الحياة ، كما قال :
وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ
النّور : 45 ، ولعلّ ورود القول في سياق تعداد الآيات المحسوسة بوجب انصراف الحكم بغير الملائكة ، ومن يحذوا حذوهم . وقد اتّضح ارتباط الحياة بالماء بالأبحاث العلميّة الحديثة . ( 14 : 279 )
عبد الكريم الخطيب : إشارة إلى هذا العنصر العظيم من عناصر الحياة ، وهو الماء ، فهو أصل كلّ حيّ ، وبذرة كلّ حياة في عالمنا هذا الّذي نعيش فيه ، فالإنسان والحيوان ، والنّبات ، قوامها جميعا الماء ، الّذي به لبست ثوب الحياة ، ومنه تستمدّ بقاءها ، ووجودها . فإذا افتقدت الماء عادت إلى عالم الموات .
وهذه حقيقة قد أصبحت من مقرّرات العلم الحديث ، الّذي أثبت أنّ نشأة الحياة على هذه الأرض قد ظهرت أوّل ما ظهرت على شواطئ الأنهار ، فكانت أوّل أمرها ظلالا باهتة للحياة ، وإشارة خافتة إليها ، ثمّ أخذت تنمو شيئا فشيئا في بوتقة الزّمن ، على مدى ملايين السّنين ، حتّى ملأت هذه الدّنيا في صورة متعدّدة ، وأشكال مختلفة ، لا تكاد تقع تحت حصر . ( 9 : 868 )