قلنا : المراد به البعض وهو الحيوان ، كما في قوله تعالى :
وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ
النّمل : 23 ، وقوله تعالى :
وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ
يونس : 22 ، ونظائره كثيرة .
الثّاني « 1 » : أنّ الكلّ مخلوقون من الماء ، ولكنّ البعض بواسطة والبعض بغير واسطة ، ولهذا قيل : إنّه تعالى خلق الملائكة من ريح خلقها من الماء ، وخلق الجنّ من نار خلقها من الماء ، وخلق آدم من تراب خلقه من الماء .
( 227 )
البيضاويّ : وخلقنا من الماء كلّ حيوان ، كقوله تعالى :
وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ
النّور : 45 ؛ وذلك لأنّه من أعظم موادّه في التّركيب ، أو لفرط احتياجه إليه ، وانتفاعه به بعينه ، أو صيّرنا كلّ شيء حيّ بسبب من الماء لا يحيا دونه . وقرئ ( حيّا ) على أنّه صفة ( كلّ ) أو مفعول ثان ، والظّرف لغو ، و « الشّيء » مخصوص بالحيوان .
( 2 : 71 )
الشّربينيّ :
كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ
مجازا في النّبات ، وحقيقة في الحيوان .
فإن قيل : قد خلق اللّه تعالى بعض ما هو حيّ من غير الماء كآدم وعيسى والملائكة .
أجيب بأنّ هذا خرج مخرج الأغلب والأكثر ، أي إنّ أكثر ما خلق اللّه خلق من الماء ، وبقاؤه بالماء .
وقيل : المراد بالماء ما نزل من السّماء أو نبع من الأرض . ( 2 : 503 )
أبو السّعود : [ نحو الزّمخشريّ وأضاف : ]
وتقديم المفعول الثّاني للاهتمام به ، لا لمجرّد أنّ المفعولين في الأصل مبتدأ وخبر ، وحقّ الخبر عند كونه ظرفا أن يتقدّم على المبتدأ ، فإنّ ذلك مصحّح محض لا مرجّح .
وقرئ ( حيّا ) على أنّه صفة ( كلّ ) أو مفعول ثان ، والظّرف كما في الوجه الأوّل قدّم على المفعول ، للاهتمام به والتّشويق إلى المؤخّر . ( 4 : 334 )
البروسويّ : أي كلّ حيوان ، عرّف ( الماء ) باللّام قصدا إلى الجنس ، أي جعلنا مبدأ كلّ شيء حيّ من هذا الجنس ، أي جنس الماء ، وهو النّطفة ، كما في قوله تعالى :
وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ
النّور : 45 ، أي كلّ فرد من أفراد الدّوابّ من نطفة معيّنة ، هي نطفة أبيه المختصّة به ، أو كلّ نوع من أنواع الدّوابّ ، من نوع من أنواع المياه ، وهو نوع النّطفة الّتي تختصّ بذلك النّوع من الدّوابّ .
يقول الفقير : قد فرّقوا بين الحيّ والحيوان بأنّ كلّ حيوان حيّ ، وليس كلّ حيّ حيوانا كالملك ، فالظّاهر ما جاء في بعض الرّوايات من : « إنّ اللّه تعالى خلق الملائكة من ريح خلقها من الماء ، وآدم من تراب خلقه منه ، والجنّ من نار خلقها منه » . وقال بعضهم : يدخل في الآية النّبات والشّجر ، لنمائهما بالماء .
والحياة قد تطلق على القوّة النّامية الموجودة في النّبات والحيوان ، كما في « المفردات » ، ويدلّ على حياتهما قوله تعالى :
يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها . *
( 5 : 471 )
سيّد قطب : فأمّا شطر الآية الثّاني
وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ
فيقرّر كذلك حقيقة خطيرة ، يعدّ العلماء كشفها وتقريرها أمرا عظيما ، ويمجّدون
هامش
( 1 ) كذا ، وكأنّه جعل ما قبله الأوّل .