تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 677

مساهمون:

ص٦٧٧
له بمقدّمة نفيسة في صفات الواجب . قال رحمه اللّه تعالى : معنى الوجود وإن كان بديهيّا عند العقل ، ولكنّه يتمثّل له بالظّهور ، ثمّ الثّبات والاستقرار وكمال الوجود ، وقوّته بكمال هذا المعنى وقوّته بالبداهة . كلّ مرتبة من مراتب الوجود تستتبع « 1 » بالضّرورة من الصّفات الوجوديّة ما هو كمال لتلك المرتبة في المعنى السّابق ذكره ، وإلّا كان الوجود لمرتبة سواها ، وقد فرض لها ما يتجلّى للنّفس من مثل الوجود لا ينحصر . وأكمل مثال في أيّ مرتبة ما كان مقرونا بالنّظام والكون ، على وجه ليس فيه خلل ولا تشويش ، فإن كان ذلك النّظام بحيث يستتبع وجودا مستمرّا وإن كان في النّوع ، كان أدلّ على كمال المعنى الوجوديّ في صاحب المثال . فإن تجلّت للنّفس مرتبة من مراتب الوجود على أن تكون مصدرا لكلّ نظام ، كان ذلك عنوانا على أنّها أكمل المراتب وأعلاها وأرفعها وأقواها . وجود الواجب هو مصدر كلّ وجود ممكن - كما قلنا وظهر بالبرهان القاطع - فهو بحكم ذلك أقوى الوجودات وأعلاها ، فهو يستتبع من الصّفات الوجوديّة ما يلائم تلك المرتبة العليّة ، وكلّ ما تصوّره العقل كمالا في الوجود من حيث ما يحيط به من معنى الثّبات والاستقرار والظّهور ، وأمكن أن يكون له ، وجب أن يثبت له ، وكونه مصدرا للنّظام وتصريف الأعمال على وجه لا اضطراب فيه يعدّ من كمال الوجود كما ذكرنا ، فيجب أن يكون ذلك ثابتا له . فالوجود الواجب يستتبع من الصّفات الوجوديّة الّتي تقتضيها هذه المرتبة ما يمكن أن يكون له . فما يجب أن يكون له صفة الحياة - وهي صفة تستتبع العلم والإرادة - وذلك أنّ الحياة ممّا يعتبر كمالا للوجود بداهة ، فإنّ الحياة مع ما يتبعها مصدر النّظام وناموس الحكمة ، وهي في أيّ مراتبها مبدأ الظّهور والاستقرار في تلك المرتبة . فهي كمال وجوديّ ويمكن أن يتّصف بها الواجب . وكلّ كمال وجوديّ يمكن أن يتّصف به وجب أن يثبت له ، فواجب الوجود حيّ وإن باينت حياته حياة الممكنات ، فإنّ ما هو كمال للوجود إنّما هو مبدأ العلم والإرادة ، ولو لم تثبت له هذه الصّفة لكان في الممكنات ما هو أكمل منه وجودا . وقد تقدّم أنّه أعلى الوجودات وأكملها فيه . والواجب هو واهب الوجود وما يتبعه ، فكيف لو كان فاقدا للحياة يعطيها ؟ فالحياة له كما أنّه مصدرها ، انتهى . أقول : وهذا تحقيق دقيق لا تجد مثله لغير هذا الإمام العارف والحكيم المحقّق ، ولا يعقله إلّا أولو الألباب . وقد كنت كتبت في كتاب « العقائد » الّذي ألّفته باقتراحه رحمه اللّه تعالى ، على وجه يليق بمعارف هذا العصر . ويفيد طلّاب علومه كلاما في حياة اللّه تعالى قريبا من الأفهام ، واطّلع عليه فأعجبه . وإنّني أحبّ إيراده هنا ، لأنّني لم أر في كتب التّفسير ولا في كتب الكلام كلاما ممتّعا في هذا المقام ، وهو وارد بأسلوب السّؤال من تلميذ مبتدئ في المدارس ، والجواب من أخيه وهو عالم عصريّ طبيب نعبّر عنه بالشّابّ ، ومن أبيه وهو عالم صوفيّ نعبّر عنه بالشّيخ ، وهذا نصّه باختصار مّا :
هامش
( 1 ) هذا هو الظّاهر ، وفي الأصل : تستبع ! ! وكذا في قوله الآتي : « وهي صفة تستتبع العلم والإرادة » .