تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 676

مساهمون:

ص٦٧٦
يعلم ويقدر ممّا يشترك به سائر الحيوانات ، فلا يحسن أن يمدح اللّه تعالى به نفسه ، في غاية السّقوط ، لأنّه إن أراد الاشتراك في إطلاق اللّفظ فليس الحيّ وحده كذلك ، بل السّميع ، والبصير أيضا مثله في الإطلاق على أخسّ الحيوانات ، وقد مدح اللّه تعالى بهما نفسه ، ولم يستشكل ذلك أهل السّنّة . وإن أراد الاشتراك في الحقيقة فمعاذ اللّه تعالى من ذلك ؛ إذ الاشتراك فيها مستحيل بين التّراب وربّ الأرباب ، وبين الأزليّ والزّائل . ومتى قلت : إنّ الاشتراك في إطلاق اللّفظ يوجب ذلك الاشتراك حقيقة ، ولا مناص عنه إلّا بالحمل على المجاز ، لزمك مثل ذلك في سائر الصّفات ، ولا قائل به من أهل السّنّة . وأمّا ثانيا : فلأنّ كون الحياة في اللّغة بمعنى الكمال ممّا لم يثبت في شيء من كتب اللّغة أصلا ، وإنّما الثّابت فيها غير ذلك ، ووصف الجمادات بها إنّما هو على سبيل المجاز دون الحقيقة كما وهم . فإن قال : إنّها مجاز في اللّه تعالى أيضا بذلك المعنى ، عاد الإشكال بحصول الاشتراك في الكمال مع الجمادات فضلا عن الحيوان . فإن قال : كمال كلّ شيء بالنّسبة إلى ما يليق به ، قلنا : فحياة كلّ حيّ حقيقة بالنّسبة إلى ما يليق به ، وليس كمثل اللّه تعالى شيء ، وكأنّي بك تفهم من كلامي الميل إلى مذهب السّلف في مثل هذه المواطن ، فليكن ذلك فهم القوم كلّ القوم .
* ويا حبّذا هند وأرض بها هند *
والزّمخشريّ فسّر ( الحىّ ) بالباقي الّذي لا سبيل عليه للموت والفناء ، وجعلوا ذلك منه تفسيرا بما هو المتعارف من كلام العرب ، وأرى أنّ في القلب منه شيء ، ولعلّي من وراء المنع لذلك ، نعم روي عن قتادة : أنّه الّذي لا يموت ، وهو ليس بنصّ في المدّعي . ( 3 : 6 ) رشيد رضا : قال الأستاذ الإمام : وأمّا ( الحىّ ) فهو ذو الحياة ، وهي مبدأ الشّعور والإدراك والحركة والنّموّ . ومثّل لذلك بالنّبات والحيوان ، فإنّ كلّا منهما حيّ وإن تفاوتت الحياة فيهما ، فكانت في الحيوان أكمل منها في النّبات . قال : والحياة بهذا المعنى ممّا ينزّه اللّه تعالى عنه ، لأنّه محال عليه . ولذلك فسّر مفسّرنا ( الحىّ ) بالدّائم البقاء ، وهو بعيد جدّا لا يفهم من اللّفظ مطلقا ، وإنّما معنى الحياة بالنّسبة إليه سبحانه مبدأ العلم والقدرة ، أي الوصف الّذي يعقل معه الاتّصاف بالعلم والإرادة والقدرة . وهذا الوصف يبطل قول المادّيّين الّذين يزعمون : أنّ مبدأ الكون علّة تتحرّك بطبعها ، ولا شعور لها بنفسها ولا بحركتها ، وما ينشأ عنها من الأفعال والآثار ، أي إنّ هذا النّظام والإحكام . في الخلق من آثار المادّة الميّتة الّتي لا شعور لها ولا علم . اختصر الأستاذ الإمام في الدّرس فلم يزد على نحو ما ذكرنا في حياة اللّه تعالى شيئا . والمتكلّمون يستدلّون على حياة اللّه تعالى بالعقل من وجهين : أحدهما : أنّه تعالى عليم مريد قدير ، وهذه الصّفات لا تعقل إلّا للحيّ . وفيه أنّه من قياس الغائب على الشّاهد - كما يقولون - أو من قياس الواجب على الممكن . وثانيهما : أنّ الحياة كمال وجوديّ ، وكلّ كمال لا يستلزم نقصا يستحيل على الواجب فهو واجب له . وهذا ما قدّمه الأستاذ الإمام في رسالة التّوحيد ، وقد قدّم
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 676 | مجمع البحوث الاسلامية