قال التّلميذ : تنبت الشّجرة صغيرة ثمّ تنمو حتّى تكون في زمن قريب أضعاف ما كانت ، فمن أين تجيء هذه الزّيادة ، وكيف تدخل في بنيتها وتتفرّق ، فتأخذ السّاق منها حظّا والفروع حظّا ، وكذلك الورق والثّمر ؟
الشّابّ : إنّ هذه الزّيادة الّتي تدخل بنية النّبات بعضها من الأرض وبعضها من الهواء . والنّبات جسم حيّ ، فهو بصفة الحياة يأخذ من عناصر الأرض والهواء ما يصلح لغذائه ، فيتغذّى به كما يتغذّى الحيوان بما يأكله ويشربه ، وينمو بذلك كما ينمو الحيوان .
التّلميذ : إنّنا لا نرى في الأرض ولا في الهواء شيئا من مادّة النّبات ولا من صفاته كاللّون والطّعم والرّائحة .
الشّابّ : إنّه يأخذ منها العناصر البسيطة ، فيأخذ من الهواء الأكسجين والنّيتروجين « الأزوت » ، وكذلك الكربون وبعض الأملاح الّتي توجد في الهواء عادة وإن لم تكن جزء منه . ويأخذ من الأرض ما يناسبه من عناصرها الكثيرة كالبوتاسا والفسفور والحديد والجير والأملاح ، ويكون ممّا يأخذه من ذلك غذاءه بعمل كيماويّ منتظم ، يعجز عن مثله أعلم علماء الكيمياء . وقد علمت أنّ جميع هذه الصّور المختلفة الأشكال والصّفات إنّما اختلف بعضها عن بعض باختلاف التّركيب الكيماويّ وعمل الطّبيعة ، حتّى إنّ مادّة السّكّر هي عين المادّة الّتي يتكوّن منها الحنظل ، والماس والفحم الحجريّ من عنصر واحد .
الشّيخ : إنّ النّبات لا حياة فيه ولو كان يعمل عمله الّذي ذكرت في معنى النّموّ وكيفيّته بما تقتضيه صفة الحياة الّتي أثبتها له ، لكان عالما بعمله ومختارا فيه ، ولم يرد بهذا نقل ، ولا أثبته عقل ، فنموّ النّبات إنّما يكون بمحض قدرة اللّه تعالى .
الشّابّ : لا دليل على أنّ للنّبات علما ولا على أنّه لا علم له ، فهو في عمله كأعضاء الإنسان وغيره من الحيوان الّتي تعمل أعمالا منتظمة لا شعور للإنسان بها ، ولا هي صادرة عن علمه وتدبيره ، كأعمال المعدة والكبد في هضم الطّعام ، فليس عندنا دليل على أنّ للمعدة علما خاصّا ، ولا على أنّه لا علم لها ، ولكنّنا نعلم أنّها عضو حيّ بحياة صاحبه ، فإذا أبين منه ثمّ وضع فيه الطّعام فإنّه لا يعمل ذلك العمل . وكون كلّ شيء بقدرة اللّه لا يمنع أن يكون لكلّ شيء سبب . فاللّه تعالى حكيم لا يعمل شيئا إلّا بنظام
ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ
الملك : 3 .
التّلميذ : من أين تكون هذه الحياة النّباتيّة للنّبات ، والحياة الحيوانيّة للحيوان ، فهل المادّة الّتي يتغذّى بها النّبات حيّة فيأخذ منها حياته ؟
الشّابّ : كلّا إنّ موادّ التّغذية ليست حيّة بنفسها ، ألا ترى أنّ الإنسان لا يأكل شيئا من الحيوان إلّا بعد إماتته بنحو الذّبح والطّبخ ، ولا يأكل نباتا إلّا بعد إزالة حياته النّباتيّة ولو بالقطع والمضغ فقط ؟ وكذلك النّبات . ولكن في النّواة الّتي تتولّد منها الشّجرة والبيضة الّتي يتولّد منها الحيوان حياة كامنة مستعدّة للنّموّ بالتّغذية على ما نشاهد في الكون . وهذه الحياة مجهولة الكنه والمبدإ حتّى اليوم ، وأمرها أخفى من أمر المادّة في كنهها ومبدئها .
الشّيخ : إذا كنتم في علمكم هذا أرجعتم جميع العناصر الّتي تألّفت منها مادّة الكون إلى شيء واحد