تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 679

مساهمون:

ص٦٧٩
عرف أثره ولم تعرف حقيقته - كما قلت في مبحث الوحدانيّة - فما بالكم تقفون في حياة بعض الموادّ كالنّبات والحيوان ، وتقولون : لا نعرف مبدأ حياته وحقيقتها وتقفون عند هذا الحدّ ، ولا تقولون : إنّ الّذي صدرت عن ذاته جميع الذّوات هو الحيّ القيّوم الّذي صدرت عن حياته كلّ حياة ؟ الشّابّ : لا شكّ أنّ الوجود الواجب القديم هو حيّ ، كما أنّه قيّوم ، فإذا كان معنى قيّوميّته أنّه قائم بنفسه ، وكلّ شيء قائم به ، فكذلك هو حيّ بذاته ، وكلّ ما عداه من الأحياء فهو حيّ به ، أي إنّه يستمدّ حياته منه ، لأنّ هذه الأحياء كلّها من نبات وحيوان هي حادثة ، والحادث هو ما كان وجوده من غيره لا من ذاته . فالحياة أمر وجوديّ بل هي أعلى مراتب الوجود ، فهل يقول عاقل : إنّ تلك الذّات الأزليّة قد صدرت عنها الأشياء كلّها بلا حياة . ثمّ إنّ بعضها أحدث لنفسه حياة ؟ هذه سخافة لا تخطر في بال عاقل ، فالإنسان أرقى الأحياء على هذه الأرض ، لأنّ من أثر حياته العلم بالكلّيّات والإرادة والتّدبير والنّظام ، وهو عاجز عن هبة الحياة لنفسه ولغيره ، فغيره من الأحياء أحقّ بالعجز . التّلميذ : إذا كانت الحياة الّتي أثرها العلم والإرادة والتّدبير والنّظام هي أرقى مراتب الحياة وهي حياة الإنسان ، ألا يلزم من ذلك مشابهة حياة الإنسان لحياة اللّه تعالى ، لأنّ هذه الخصائص هي لحياة اللّه تعالى أيضا ؟ الشّيخ : اعلم يا بنيّ أنّ ذات اللّه تعالى لا تشبه الذّوات ، وصفاته لا تشبه الصّفات ، فإذا طرأت عليك الشّبهة في أثر الحياة فقط لأنّ حقيقتها مجهولة ، فتأمّل الفرق بين الحياتين : أنّ حياة اللّه تعالى ذاتيّة وحياة الإنسان من اللّه تعالى ، إنّ حياة اللّه تعالى أزليّة وحياة الإنسان حادثة ، أنّ حياة اللّه تعالى لا تفارقه وحياة الإنسان تفارقه حين يموت . أنّ حياة اللّه تعالى هي الّتي تفيض الحياة على كلّ حيّ وحياة الإنسان خاصّة به . وكذلك العلم والتّدبير والإرادة والنّظام كلّ ذلك ناقص في الإنسان ، واللّه تعالى منزّه عن النّقص ، وإليه ينتهي الكمال المطلق في ذاته وصفاته ، انتهى المراد نقله من تلك العقيدة . وهذا الّذي قلناه في بيان معنى
الْحَيُّ الْقَيُّومُ
يجلّي لمن وعاه ما روي عن ابن عبّاس رضي اللّه عنهما : أنّ هذا هو اسم اللّه الأعظم ، أو قال : « أعظم أسماء اللّه : الحيّ القيّوم » . وقد أخرج أحمد وأبو داود والتّرمذيّ وابن ماجة عن أسماء بنت يزيد عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال : « اسم اللّه الأعظم في هاتين الآيتين : البقرة : 163
وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ
وآل عمران : 1
ألم * اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ
فالآية الأولى تثبت له تعالى وحدانيّة الألوهيّة مع الرّحمة الشّاملة ، والثّانية تثبت له مع الوحدانيّة الحياة الّتي تشعر بكمال الوجود وكمال الإيجاد ، بإفاضة الحياة على الإحياء . ( 3 : 24 ) سيّد قطب : والحياة الّتي يوصف بها الإله الواحد ، هي الحياة الذّاتيّة الّتي لم تأت من مصدر آخر ، كحياة الخلائق المكسوبة الموهوبة لها من الخالق ، ومن ثمّ يتفرّد اللّه سبحانه بالحياة على هذا المعنى . كما أنّها هي الحياة الأزليّة الأبديّة الّتي لا تبدأ من مبدء ولا تنتهي إلى نهاية ، فهي متجرّدة عن معنى الزّمان المصاحب لحياة الخلائق
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 679 | مجمع البحوث الاسلامية