المكتسبة المحدّدة البدء والنّهاية . ومن ثمّ يتفرّد اللّه - سبحانه - كذلك بالحياة على هذا المعنى .
ثمّ إنّها هي الحياة المطلقة من الخصائص الّتي اعتاد النّاس أن يعرفوا بها الحياة ، فاللّه سبحانه ليس كمثله شيء . ومن ثمّ يرتفع كلّ شبه من الخصائص الّتي تتميّز بها حياة الأشياء ، وتثبت للّه صفة الحياة مطلقة من كلّ خصيصة تحدّد معنى الحياة في مفهوم البشر ، وتنتفي بهذا جميع المفهومات الأسطوريّة الّتي جالت في خيال البشر !
( 1 : 287 )
ابن عاشور : والحيّ في كلام العرب من قامت به الحياة ، وهي صفة بها الإدراك والتّصرّف ، أعني كمال الوجود المتعارف ، فهي في المخلوقات بانبثات الرّوح واستقامة جريان الدّم في الشّرايين ، وبالنّسبة إلى الخالق ما يقارب أثر صفة الحياة فينا ، أعني انتفاء الجماديّة مع التّنزيه عن عوارض المخلوقات .
وفسّرها المتكلّمون بأنّها صفة تصحّح لمن قامت به الإدراك والفعل . وفسّر صاحب « الكشّاف » الحيّ بالباقي ، أي الدّائم الحياة ؛ بحيث لا يعتريه العدم ، فيكون مستعملا كناية في لازم معناه ، لأنّ إثبات الحياة للّه تعالى بغير هذا المعنى لا يكون إلّا مجازا أو كناية .
وقال الفخر : « الّذي عندي أنّ الحيّ - في أصل اللّغة - ليس عبارة عن صحّة العلم والقدرة . بل عبارة عن كمال الشّيء في جنسه » . قال تعالى :
فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها
الجاثية : 5 ، وحياة الأشجار : إيراقها ، فالصّفة المسمّاة - في عرف المتكلّمين - بالحياة سمّيت بذلك ، لأنّ كمال حال الجسم أن يكون موصوفا بها ، فالمفهوم الأصليّ من لفظ الحيّ كونه واقعا على أكمل أحواله وصفاته .
والمقصود بوصف اللّه هنا بالحيّ : إبطال عقيدة المشركين إلاهيّة أصنامهم الّتي هي جمادات ، وكيف يكون مدبّر أمور الخلق جمادا ؟
والحيّ : صفة مشبّهة من « حيي » أصله حيي كحذر أدغمت الياءان ، وهو يائيّ باتّفاق أئمّة اللّغة . وأمّا كتابة السّلف في المصحف كلمة « حيوة » بواو بعد الياء فمخالفة للقياس . وقيل : كتبوها على لغة أهل اليمن ، لأنّهم يقولون : حيوة ، أي حياة . وقيل : كتبوها على لغة تفخيم الفتحة . ( 2 : 492 )
مغنيّة : إذا نسبت « الحياة » إلى غير اللّه سبحانه يكون معناها : النّموّ والحركة والإحساس والإدراك ، وإذا نسبتها إليه جلّ جلاله فيراد بها : العلم والقدرة .
( 1 : 392 )
الطّباطبائيّ : وأمّا اسم « الحيّ » فمعناه : ذو الحياة الثّابتة على وزان سائر الصّفات المشبّهة ، في دلالتها على الدّوام والثّبات .
والنّاس في بادئ مطالعتهم لحال الموجودات وجدوها على قسمين : قسم منها لا يختلف حاله عند الحسّ ما دام وجوده ثابتا كالأحجار وسائر الجمادات ، وقسم منها ربّما تغيّرت حاله وتعطّلت قواه وأفعاله مع بقاء وجودها على ما كان عليه عند الحسّ ، وذلك كالإنسان وسائر أقسام الحيوان والنّبات ، فإنّا ربّما نجدها تعطّلت قواها ومشاعرها وأفعالها ، ثمّ يطرأ عليها الفساد تدريجا ، وبذلك أذعن الإنسان بأنّ هناك وراء الحواسّ أمرا آخر هو المبدأ للإحساسات والإدراكات العلميّة ،