الحيوان يكون من باب التّحريك ، وفي حقّه تعالى من باب الإبداع ، فمعنى ( الحىّ ) وإن كان مفهوما عامّا ، إلّا أنّه ينصرف في الحيوان إلى الحسّاس المتحرّك ، أي ما من شأنه أن يحسّ ويتحرّك ، وفي الواجب إلى ما يكون عالما بالفعل بجميع الأشياء ، قادرا بالذّات على كلّ الموجودات ، لتعاليه عن القوّة والكلال ، وارتفاعه عن التّجدّد والانتقال . ولا شكّ أنّ هذا ممّا يوجب المدح والثّناء .
أقول : وعلى هذا التّحقيق لا يحتاج إلى ما عدل إليه الخطيب الرّازيّ وتبعه النّيسابوريّ : من أنّ ( الحىّ ) في اللّغة ليس عبارة عمّن يوجد فيه هذه الصّحّة من هذه الحيثيّة فقط ، بل كلّ شيء يكون كاملا في جنسه فإنّه يسمّى حيّا ، ومن هاهنا صحّ أن يقال لعمارة الأرض الخربة : « إحياء الموات » . وقال تعالى :
فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها
الرّوم : 50 ، وقال :
إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا
فاطر : 9 ، فإنّ كمال حال الأرض أن تكون معمورة فسمّيت : حياة ، وكمال حال الأشجار أن تكون مورقة نضرة فسمّيت : حياة .
والصّفة المسمّاة بالحياة في عرف المتكلّمين كمال للجسم ؛ لأنّ كمال الجسم أن يكون حسّاسا متحرّكا ، فلا جرم سمّيت هذه الحالة حياة ، فثبت أنّ المفهوم من ( الحىّ ) هو « الكامل في جنسه » ، والكامل في الوجود هو الّذي يجب وجوده بذاته ، فلا حيّ بالحقيقة إلّا واجب الوجود لذاته - انتهى قوله « 1 » .
وفيه من التّعسّف ما لا يخفى على الذّوق المستقيم :
أمّا أوّلا : فلأنّ دعوى كون الحياة في اللّغة بمعنى ذي الشّعور والفعل الإراديّ بعيد عن الإنصاف ، كما يظهر لمن تتبّع موارد استعمالات هذا اللّفظ .
وأمّا ثانيا : فلأنّ كمال كلّ شيء - في جنسه أو نوعه - لو كان حياته في عرف اللّغة ، لجاز أن يقال في اللّغة لكلّ كامل في جنسه أنّه : حيوان ، وليس كذلك ؛ إذ لا يقال للذّهب الكامل العيار : إنّه حيوان ، وللثّوب الكامل في نسجه : إنّه حيوان ، وللدّرّ الصّافي : إنّه حيوان ، وللسّواد الشّديد والخطّ الطّويل والدّائرة التّامّة إنّها : حيوانات .
وأمّا ثالثا : فلأنّ تبادر معنى من اللّفظ إلى الذّهن من غير قرينة دليل الحقيقة ، وعدمه دليل المجاز ، ونحن إذا سمعنا لفظ « الحيوان » لم يتبادر في ذهننا إلّا ماله صلاحيّة الإدراك والفعل الإراديّ ، وإن كان ناقصا في جنسه أو نوعه .
ثمّ من العجب أنّ كثيرا من علماء العربيّة ينكرون كون الأفلاك حيّة مع أنّها كاملة في الجسميّة ، لكونها كاملة البنيان ، عظيمة المقدار ، رفيعة المكان ، بل هي مكرّمة الذّوات والصّفات ، مرفوعة عن أرجاس العنصريّات ؛ وذلك لأنّ المعتبر عندهم في الحيوان هو التّفنّن في الإرادات والحركات بلا نسق ، أو الاختلاف في الدّواعي والأغراض مع كلال وتعب ، أو وجود رأس وذنب وشهوة وغضب ، لأنّهم ما عاهدوا من الحيوان إلّا هذه الدّيدان الأرضيّة « كالأرضة » الّتي لا غذاء لها إلّا من الأرضيّات ، ظنّا منهم أن ليس للّه تعالى عالم غير هذه المدرة ، وليس لها خلائق حيّة ناطقة إلّا هذه الحيوانات الحاصلة من العفونات صامتها وناطقها ، ولم يعلموا
هامش
( 1 ) مفاتيح الغيب للرّازيّ ( 1 : 466 ) ملخّصا .