ليدعوهم القرآن إلى الحياة ؟
وجواب هذا التّساؤل : نعم ، فقد كانوا موتى وفاقدي الحياة بمعناها القرآنيّ ، لأنّ الحياة ذات مراحل مختلفة ، أشار إلى جميعها القرآن الكريم .
فتارة تأتي بمعنى الحياة النّباتيّة ، كما يقول القرآن :
اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها
الحديد : 17 .
وتارة تأتي بمعنى الحياة الحيوانيّة ، مثل :
إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى
فصّلت : 39 .
وتارة بمعنى الحياة الفكريّة والعقليّة ، مثل :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ
الأنعام : 122 .
وتارة بمعنى الحياة الخالدة في العالم الآخر ، مثل :
يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي
الفجر : 24 .
وتارة بمعنى العالم والقادر بلا حدّ ولا نهاية ، كما نقول عن اللّه : « هو الحيّ الّذي لا يموت » .
وبالنّظر إلى هذه الأقسام الّتي ذكرناها نعرف أنّ النّاس في الجاهليّة كانوا يعيشون الحياة الحيوانيّة والمادّيّة ، وكانوا بعيدين عن الحياة الإنسانيّة والمعنويّة والعقليّة ، فجاء القرآن ليدعوهم إلى الحياة .
ومن هنا نعلم أنّ الّذين يضعون الدّين في قوالب جامدة لا روح فيها بعيدة عن إطارات الحياة ، ويحجمونه عن القضايا الفكريّة والاجتماعيّة ، نعلم أنّ هؤلاء مخطئون ، لأنّ الدّين الصّحيح هو الّذي يبعث الحركة في كلّ جوانب الحياة ، ويحيي الفكر والثّقافة والإحساس بالمسؤوليّة ، ويوجد التّكامل والرّقيّ والوحدة والتّآلف ، فهو إذا يبعث الحياة بكلّ معنى للكلمة .
وتتّضح هذه الحقيقة ضمنا ، وهي أنّ الّذين فسّروا الآية بمعنى واحد هو الجهاد أو الإيمان أو القرآن ، أو الجنّة ، واعتبروا هذه الأمور هي العوامل الوحيدة للحياة في الآية المباركة ، هؤلاء في الحقيقة حدّدوا مفهوم الآية ؛ لأنّه يشتمل على كلّ ذلك ، وفوق ذلك ، فإنّه يتدرّج - ضمن مفهوم الآية - كلّ شيء ، وكلّ فكر ، وكلّ قانون يبعث الرّوح في جانب من جوانب الحياة . ( 5 : 360 )
فضل اللّه : لأنّ الإسلام هو دعوة إلى الحياة في ما أراده للإنسان ، من حركة ووحي ونموّ وانطلاق ، من خلال مفاهيمه الواسعة الشّاملة الّتي تفتح آفاقه على الكون كلّه ، ليكون ساحة لفكره ، ومنطلقا لعمله ، وتجربة لمسؤوليّته ممّا يجعل منه طاقة حيّة متحرّكة في أكثر من اتّجاه ، ومن خلال شريعته الّتي تنظّم له حياته في ما يأكل ويشرب ويستمتع ، وفي ما يعيش من علاقات ، فيتحقّق له التّوازن في ذلك كلّه ، فلا تنحرف حياته إلى خط السّلبيّة الّتي تهمل كلّ شيء حولها ، ولا تتطرّف في خطّ الإيجابيّة حتّى تغلق على نفسها كلّ باب للحرّيّة . . .
وهكذا يمتدّ التّوازن في ما بين النّزعة المادّيّة والنّزعة الرّوحيّة ، إلى الانسجام بين الشّخصيّة الفرديّة والشّخصيّة الاجتماعيّة ، فيحسب لكلّ شيء حسابه ، ويضع كلّ شيء في موضعه ، على أساس الحكمة والاتّزان ؛ وذلك هو معنى الحياة في حركة الشّخصيّة ، لأنّ الإخلال بالتّوازن يؤدّي إلى الانحراف في اتّجاه الهلاك ، في ما يثيره من الارتباك في حركة المصير .
أمّا أهداف الإسلام في ما يريده للإنسان من أهداف وجوده ، فإنّها أهداف الحياة في امتداد المعرفة وعمقها ، في كلّ ما تختزنه من أسرار وتثيره من قضايا وتواجهه من