تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 665

مساهمون:

ص٦٦٥
الإنسان لا يخفى عليه ما فيه سعادته في الحياة من علم وعمل ، وأنّه يدرك بفطرته ما هو حقّ الاعتقاد والعمل ، قال تعالى :
فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ
الرّوم : 30 ، وقال تعالى :
الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى
- إلى أن قال : -
فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى * سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى * وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى
الأعلى : 2 - 11 ، وقال تعالى :
وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها * فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها * وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها
الشّمس : 7 - 10 . نعم . ربّما أخطأ الإنسان طريق الحقّ في اعتقاد أو عمل ، وخبط في مشيّته ، لكن لا ، لأنّ الفطرة الإنسانيّة والهداية الإلهيّة أوقعته في ضلالة وأوردته في تهلكة ، بل لأنّه أغفل عقله ونسي رشده ، واتّبع هوى نفسه ، وما زيّنه جنود الشّياطين في عينه ، قال تعالى :
إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى
النّجم : 23 ، وقال :
أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ
الجاثية : 23 . فهذه الأمور الّتي تدعو إليها الفطرة الإنسانيّة من حقّ العلم والعمل ، لوازم الحياة السّعيدة الإنسانيّة ، وهي الحياة الحقيقيّة الّتي بالحريّ أن تختصّ باسم الحياة ، والحياة السّعيدة تستتبعها ، كما أنّها تستلزم الحياة وتستتبعها ، وتعيدها إلى محلّها لو ضعفت الحياة في محلّها بورود ما يضادّها ، ويبطل رشد فعلها . فإذا انحرف الإنسان عن سويّ الصّراط الّذي تهديه إليه الفطرة الإنسانيّة وتسوقه إليه الهداية الإلهيّة ، فقد فقد لوازم الحياة السّعيدة من العلم النّافع والعمل الصّالح ، ولحق بحلول الجهل وفساد الإرادة الحرّة والعمل النّافع بالأموات ، ولا يحييه إلّا علم حقّ وعمل حقّ ، وهما اللّذان تندب إليهما الفطرة ، وهذا هو الّذي تشير إليه الآية الّتي نبحث عنها :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ .
و « اللّام » في قوله : « لما يحييكم » بمعنى « إلى » ، وهو شائع في الاستعمال ، والّذي يدعو إليه الرّسول صلّى اللّه عليه وآله هو الدّين الحقّ ، وهو الإسلام الّذي يفسّره القرآن الكريم باتّباع الفطرة فيما تندب إليه ، من علم نافع وعمل صالح . وللحياة بحسب ما يراه القرآن الكريم معنى آخر أدقّ ممّا تراه بحسب النّظر السّطحيّ السّاذج ، فإنّا إنّما نعرف من الحياة في بادئ النّظر ما يعيش به الإنسان في نشأته الدّنيويّة إلى أن يحلّ به الموت ، وهي الّتي تصاحب الشّعور والفعل الإراديّ ، ويوجد مثلها أو ما يقرب منها في غير الإنسان أيضا ، من سائر الأنواع الحيوانيّة ، لكن اللّه سبحانه يقول :
وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
العنكبوت : 64 ، ويفيد ذلك أنّ الإنسان متمتّع بهذه الحياة غير مشتغل إلّا بالأوهام ، وأنّه مشغول بها عمّا هو أهمّ وأوجب من غايات وجوده وأغراض روحه ، فهو في حجاب مضروب عليه ، يفصل بينه وبين حقيقة ما يطلبه ويبتغيه من الحياة . وهذا هو الّذي يشير إليه قوله تعالى وهو من خطابات يوم القيامة :
لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ
ق : 22 . فللإنسان حياة أخرى أعلى كعبا وأغلى قيمة من
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 665 | مجمع البحوث الاسلامية