تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 667

مساهمون:

ص٦٦٧
فيه حياة له ، أو لم يكن ؟ وكيف واللّه سبحانه وتعالى يقول :
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ
الأحزاب : 36 . فما تأويل هذا ؟ والجواب - واللّه أعلم - : أنّ هذا القيد الوارد على دعوة الرّسول ، والأمر بالاستجابة لتلك الدّعوة على هذا الوصف ، وهي أن تكون دعوة فيها حياة وخير ، يصيب الإنسان في جانبيه الرّوحيّ والمادّيّ معا . نقول : إنّ هذا القيد يحقّق أمرين : أوّلهما : الدّعوة إلى إيقاظ العقل ، وحمله على النّظر في كلّ أمر يواجهه ، أو يدعى إليه ، ليزنه بميزان الحقّ والخير ، حتّى ولو كان هذا الأمر واردا من جهة لا يرد منها إلّا الحقّ المشرق ، والخير الخالص . فذلك لا يحول بين العقل وبين أن يتفحّص الأمر ، ويقلّبه على وجوهه ، ليعرف مدى الخير الّذي يحصّله ، إذا هو أخذ بهذا الأمر ، وجعله معتقدا له ، يعمل في ظلّه ، ويسير على هواه . فهذا من شأنه أن يجعل لهذا الأمر سلطانا متمكّنا في كيان الإنسان إذ أقامه بيده ، ومكّن له بإرادته ، ونزل على حكمه طائعا مختارا ، يرجو منه الخير ، ويتوقّع السّلامة والعافية . ومن أجل هذا كان الإيمان الّذي آمن عليه المسلمون الأوّلون ، إيمانا راسخا متمكّنا ، جعل منهم أوتاد هذا الدّين ، وعمده ، الّتي قام عليها صرحه ، وامتدّت عليها ظلال دوحته . وهذا يعني احترام العقل الإنسانيّ ، وإعطاءه الحقّ في البحث والنّظر ، حتّى فيما يصدر إليه من أحكم الحاكمين ، ربّ العالمين . وليس بعد هذا عذر لإنسان يمتهن إنسانيّته ، ويبيع عقله ، ويسلّم مقوده لكلّ داع يدعوه ، من غير أن يعمل فيه نظره ، ويوجّه إليه عقله ، كما هو حال أولئك المشركين الّذين لا يبصرون إلى ما يدعوهم إليه شياطينهم ، أو تمليه عليهم أهواؤهم ، وإن كان فيه هلاكهم . وثاني هذين الأمرين : أنّ ما تحمله أوامر الشّريعة وأحكامها هو الخير المطلق الّذي لا يزداد على البحث والنّظر إلّا وضوحا وألقا . فمن المطلوب إذن أن تتعلّق الأنظار بهذه الأوامر وتلك الأحكام ، وأن تتحكّك بها العقول ، وتتردّد عليها الأفهام ، حتّى تتعرّف إلى أسرارها ، وتنشق العبير الطّيّب من أريجها ، وبهذا تعرف قدرها ، فيشتدّ حرصها عليها ، وتمسّكها بها ، وهكذا كلّ شيء طيّب كريم ، تتغذّى الأنظار من ترداد النّظر فيه ، وتنتعش النّفوس من كثرة لقاء العقل له . ( 5 : 587 ) مكارم الشّيرازيّ : فهذه الآية تقول بصراحة : إنّ دعوة الإسلام هي دعوة للعيش والحياة : الحياة المعنويّة ، الحياة المادّيّة ، الحياة الثّقافيّة ، الحياة الاقتصاديّة ، الحياة السّياسيّة بالمعنى الصّحيح ، الحياة الأخلاقيّه والاجتماعيّة ؛ وفي النّتيجة الحياة والعيش على جميع الأصعدة . وهذه أقصر وأجمع عبارة عن الإسلام ورسالته الخالدة ، إذا سأل أحد عن أهداف الإسلام ، وما يمكن أن يقدّمه ، فنقول جملة قصيرة : إنّ هدفه هو الحياة على جميع الأصعدة ، وهذا ما يقدّمه لنا . ترى هل كان النّاس موتى قبل بزوغ الإسلام ونزول القرآن ؟