هذه الحياة الدّنيويّة الّتي يعدّها اللّه سبحانه لعبا ولهوا ، وهي الحياة الأخرويّة الّتي سينكشف عن وجهها الغطاء ، وهي الحياة الّتي لا يشوبها اللّعب واللّهو ، ولا يدانيها اللّغو والتّأثيم ، لا يسير فيها الإنسان إلّا بنور الإيمان وروح العبوديّة ، قال تعالى :
أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ
المجادلة : 22 ، وقال تعالى :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها
الأنعام : 122 .
فهذه حياة أخرى أرفع قدرا وأعلى منزلة من الحياة الدّنيويّة العامّة الّتي ربّما شارك فيها الحيوان العجم الإنسان ، ويظهر من أمثال قوله تعالى :
وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ
البقرة : 253 ، وقوله :
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا
الشّورى : 52 ، أنّ هناك حياة أخرى فوق هاتين الحياتين المذكورتين ، سيوافيك البحث عنها فيما يناسبها من المورد إن شاء اللّه .
وبالجملة فللإنسان حياة حقيقيّة أشرف وأكمل من حياته الدّينيّة الدّنيويّة ، يتلبّس بها إذا تمّ استعداده بالتّحليّ بحلية الدّين ، والدّخول في زمرة الأولياء الصّالحين ، كما تلبّس بالحياة الدّنيويّة حين تمّ استعداده للتّلبّس بها ، وهو جنين إنسانيّ .
وعلى ذلك ينطبق قوله تعالى في الآية المبحوث عنها :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ
فالتّلبّس بما تندب إليه الدّعوة الحقّة من الإسلام يجرّ إلى الإنسان هذه الحياة الحقيقيّة ، كما أنّ هذه الحياة منبع ينبع منه الإسلام ، وينشأ منه العلم النّافع والعمل الصّالح ، وفي معنى هذه الآية قوله تعالى :
مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
النّحل : 97 .
والآية أعني قوله فيها :
إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ
مطلق لا يأبى الشّمول لجميع دعوته صلّى اللّه عليه وآله المحيية للقلوب ، أو بعضها الّذي فيه طبيعة الإحياء ، أو لنتائجها الّتي هي أنواع الحياة السّعيدة الحقيقيّة ، كالحياة السّعيدة في جوار اللّه سبحانه في الآخرة .
ومن هنا يظهر أن لا وجه لتقييد الآية بما قيّدها به أكثر المفسّرين ، فقد قال بعضهم : إنّ المراد بقوله :
إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ
بالنّظر إلى مورد النّزول : إذا دعاكم إلى الجهاد ، إذ فيه إحياء أمركم وإعزاز دينكم . [ ثمّ نقل الأقوال المتقدّمة وقال : ]
وهذه الوجوه المذكورة يقبل كلّ واحد منها انطباق الآية عليه ، غير أنّ الآية كما عرفت مطلقة لا موجب لصرفها ، عمّالها من المعنى الوسيع . ( 9 : 43 )
عبد الكريم الخطيب : وفي قوله تعالى :
إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ
إشارة إلى أنّ ما يدعو به الرّسول هو حياة للنّاس ، واستنقاذ لهم من الهلاك والضّياع .
والسّؤال هنا هو : ما معنى ( إذا ) وهل هي شرطيّة ، بمعنى أنّ المؤمنين لا يستجيبون للنّبيّ إلّا على هذا الشّرط ، وهو أن يدعوهم للّذي فيه حياة لهم ؟ وهل يدعو الرّسول بغير ما يحمل الحياة إلى النّاس من أمر اللّه ؟
وهل للمؤمن أن يتوقّف عند أيّ أمر يدعوه الرّسول إليه حتّى يختبره ويصدر حكمه عليه ، بعد أن يرى : إن كان