والّذي يظهر هو القول الأوّل ، لأنّه في سياق قوله :
وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ
الأنفال : 23 . فالّذي يحيا به من الجهل هو سماع ما ينفع ممّا أمر به ونهي عنه ، فيمتثل المأمور به ، ويجتنب المنهيّ عنه ، فيؤول إلى الحياتين الطّيّبتين الدّنيويّة والأخرويّة . ( 4 : 481 )
الآلوسيّ : أي لما يورثكم الحياة الأبديّة في النّعيم الدّائم من العقائد والأعمال ، أو من الجهاد الّذي أعزّكم اللّه تعالى به بعد الذّلّ ، وقوّاكم به بعد الضّعف ، ومنعكم به من عدوّكم بعد القهر .
وإطلاق ما ذكر على العقائد والأعمال ، وكذا على الجهاد : إمّا استعارة ، أو مجاز مرسل بإطلاق السّبب على المسبّب .
وقال القتيبيّ : المراد به الشّهادة ، وهو مجاز أيضا .
[ إلى أن قال : ]
وقال غير واحد : هو العلوم الدّينيّة الّتي هي مناط الحياة الأبديّة ، كما أنّ الجهل مدار الموت الحقيقيّ ، وهو استعارة مشهورة ، ذكرها الأدباء وعلماء المعاني .
( 9 : 190 )
رشيد رضا : والمراد بالحياة هنا : حياة العلم باللّه تعالى وسننه في خلقه ، وأحكام شرعه ، والحكمة والفضيلة ، والأعمال الصّالحة الّتي تكمل بها الفطرة الإنسانيّة في الدّنيا ، وتستعدّ للحياة الأبديّة في الآخرة .
وقيل : المراد بالحياة هنا : الجهاد في سبيل اللّه ، لأنّه سبب القوّة والعزّة والسّلطان . والصّواب أنّ الجهاد يدخل فيما ذكرنا ، وليس هو الحياة المطلوبة ، بل هو وسيلة لتحقّقها ، وسياج لها بعد حصولها .
وقيل : هي الإيمان والإسلام ، وإنّما يصحّ باعتبار ما كان يتجدّد من الأحكام ، وثمرته في القلوب والأعمال ، وبما في الاستجابة من معنى المبالغة في الإجابة ، وإلّا فالخطاب للمؤمنين .
وقيل : هي القرآن ، ولا شكّ أنّه ينبوعها الأعظم ، الهادي إلى سبيلها الأقوم ، مع بيانه من سنّة الرّسول ، وهديه الّذي أمرنا بأن يكون لنا فيه أسوة حسنة ، ويدلّ عليه اقتران طاعته بطاعة اللّه تعالى . ( 9 : 631 )
مغنيّة : ( إذا ) في
إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ
ليست للشّرط ، وإنّما هي لبيان موضوع دعوة اللّه والرّسول ، وتقريرها وحصرها بالدّعوة إلى الحياة بأكمل معانيها .
ومن أحاط بالإسلام علما يجد أنّ كلّ أصل من عقيدته ، وكلّ فرع من شريعته يرتكز على الدّعوة - صراحة ، أو ضمنا - إلى العمل من أجل الحياة . فالإيمان باللّه يستدعي الإيمان بالتّحرّر من العبوديّة إلّا للّه وحده ، وبأنّه لا سلطان للمال ، ولا للجاه ، ولا للجنس ، ولا لشيء إلّا الحقّ والعدل . وبديهة أنّ الحياة الطّيّبة القويّة لا توجد ، ومحال أن توجد إلّا مع الالتزام بهذا المبدإ وتطبيقه . أمّا الإيمان برسالة محمّد صلّى اللّه عليه وآله فهو عين الإيمان بشريعة الإخاء والمساواة ، وبحرّيّة الإنسان وحمايته ، وبكلّ مبدأ يعود على الإنسانيّة بالخير والصّلاح . ذلك بأنّ رسالة محمّد تهدف إلى هدي البشر وإسعاده ، وبثّ العدل بين أفراده . أمّا الإيمان باليوم الآخر فهو الإيمان بأنّ الإنسان لا يترك سدى ، وأنّه مسؤول عن كلّ صغيرة وكبيرة من أعماله ، يحاسب عليها ويكافأ ، إن خيرا فخير ، وإن شرّا فشرّ . وهذا الإيمان - كما ترى - أشبه