الدّنيا ، وطيب هذه الحياة يجيء من نفحات الإيمان باللّه ، تلك النّفحات الّتي تثلج الصّدر بالطّمأنينة ، والرّضا ، وتدفئ النّفس بالرّجاء والأمل بتلك القوّة الّتي لا حدود لها ، والّتي منها مصادر الأمور ، وإليها مصائرها ؛ وذلك كلّه من عاجل الثّواب الجزيل الّذي أعدّه اللّه لعباده المؤمنين ، كما يقول تبارك وتعالى :
مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ
النّساء : 134 .
( 7 : 358 )
مكارم الشّيرازيّ : ما هي الحياة الطّيّبة ؟
لقد ذكر المفسّرون في معنى الحياة الطّيّبة تفاسير عديدة . [ فذكرها ثمّ قال : ]
ولعلّه لا حاجة بنا للتّذكير بأنّ مفهوم الحياة الطّيّبة من السّعة ، بحيث يشمل كلّ ما ذكروه وغيره ، فالحياة الطّيّبة طيّبة بجميع جهاتها ، وخالية من التّلوّثات والظّلم والخيانة والعداوة والذّلّ وكلّ ألوان الآلام والهموم ، وفيها ما يجعل حياة الإنسان صافية كماء زلال .
وبملاحظة تعبير الآية عن الجزاء الإلهيّ وفق أحسن الأعمال ، ليفهم من ذلك أنّ الحياة الطّيّبة ترتبط بعالم الدّنيا بينما يرتبط الجزاء بالأحسن بعالم الآخرة .
وعندما سئل أمير المؤمنين عليه السّلام عن قوله تعالى :
فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ،
قال : « هي القناعة » .
ولا شكّ أنّ هذا التّفسير لا يعني حصر معنى الحياة الطّيّبة بالقناعة ، بل هو بيان لأحد مصاديقها الواضحة جدّا ؛ حيث إنّ الإنسان لو أعطيت له الدّنيا بكاملها ، وسلبت منه روح القناعة ، فإنّه - والحال هذه - سيعيش دائما في عذاب وألم وحسرة ، وبعكس ذلك فإذا امتلك الإنسان القناعة وترك الحرص والطّمع ، فإنّه سيعيش مطمئنّا راضيا على الدّوام .
وقد ورد في روايات أخرى تفسير « الحياة الطّيّبة » بمعنى الرّضا بقسم اللّه ، وهذا المعنى قريب الأفق مع القناعة .
وينبغي أن لا نعطي لهذه المفاهيم صفة تحذيريّة أبدا ، وإنّما الهدف الواقعيّ لبيان الرّضا والقناعة للقضاء على الحرص والطّمع ، واتّباع الهوى في نفس الإنسان ، الّتي تعتبر من العوامل المؤثّرة على إيجاد الاعتداءات والاستغلال والحروب وإراقة الدّماء ، والمسبّبة للذّلّ والأسر . ( 8 : 285 )
فضل اللّه : [ نقل كلام سيّد قطب والطّباطبائيّ ثمّ قال : ]
وهذا تفسير جميل ، وتحليل جيّد للمعاني الرّوحيّة الّتي يختزنها الإيمان في نفس المؤمن العامل بالصّالحات ، ويثيرها في مشاعره وأجوائه ، ولكنّ المسألة هي التقاء هذا التّحليل مع سياق الآية الّتي وردت لبيان الجزاء الّذي يمنحه اللّه للإنسان - الّذي يعمل الصّالحات وهو مؤمن - ممّا يوحي بأنّ هذه الحياة الّتي يمنحها اللّه له مفصولة عن الواقع الّذي يعيشه الآن ، وليست حالة وجدانيّة أو عمليّة في دائرته .
وقد نلاحظ أنّ ما ذكره هذان المفسّران الجليلان وغيرهما ، هو من آثار الإيمان ، بينما تعتبر الآية أنّ الحياة الطّيّبة جزاء العمل الّذي ينطلق من الإنسان المؤمن ، واللّه العالم . ولعلّ الأقرب ، هو أن يكون المراد منها : الدّار العالم . ولعلّ الأقرب ، هو أن يكون المراد منها : الدّار الآخرة ، أو الجنّة ، أو ما أشبه ذلك . ( 13 : 296 )