ثمّ اعلم أنّ صلاحيّة أعمال العباد إنّما تكون على قدر صدقهم في المعاملات ، وحسن استعدادهم في قبول الفيض الإلهيّ ، فيكون طيب حياتهم بإحياء اللّه إيّاهم بحسب ذلك :
وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ
في الآخرة أجر كلّ طائفة منهم بأوفر ما كانوا يظنّون أن يجازيهم اللّه على أعمالهم ، بيانه قوله :
وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً
النّساء : 40 . ( 5 : 78 )
الآلوسيّ : والمراد بالحياة الطّيّبة : الحياة الّتي تكون في الجنّة ؛ إذ هناك حياة بلا موت ، وغنى بلا فقر ، وصحّة بلا سقم ، وملك بلا هلك ، وسعادة بلا شقاوة . [ ثمّ نقل الأقوال المتقدّمة وقال : ]
وأورد على التّفسير المختار أنّ بعض من عمل صالحا وهو مؤمن لم يرزق القناعة ، بل قد ابتلي بالقنوع .
وأجيب بأنّ بالمراد بالمؤمن من كمل إيمانه ، أو يقال :
المراد - بمن عمل صالحا - من كان جميع عمله صالحا . [ ثمّ نقل كلام البيضاويّ وأضاف : ]
وبحث بعضهم فيه أيضا بأنّ كمال الإيمان لا يكون بدون الرّضا ، وكذا كون جميع الأعمال صالحة لا يوجد بدونه ، لأنّ الأعمال تشمل القلبيّة والقالبيّة ، والرّضا من النّوع الأوّل .
والمراد من
فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً
لنعطينّه ما تطيب به حياته ، فيؤول معنى الآية حينئذ على تقدير أن يراد القناعة والرّضا ، من رضي بالقسمة وفعل كذا وكذا وهو مؤمن ، أو من عمل صالحا وهو راض بالقسمة ، متّصف بكذا وكذا ممّا فيه كمال الإيمان ، فلنعطينّه الرّضا بالقسمة الّذي تطيب به حياته ، ويتضمّن من رضي بالقسمة فلنعطينّه الرّضا بالقسمة الّذي تطيب به حياته ، وهو كما ترى ، وفيه ما لا يخفى .
نعم تفسير الحياة الطّيّبة بما يكون في الجنّة سالم عن هذا القيل والقال ، ويراد بها ما سلمت من توهّم الموت والهرم ، وحلول الألم والسّقم ، فيكون قوله تعالى :
فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً
إشارة إلى درء المفاسد .
( 14 : 227 )
القاسميّ : قال المهايميّ : أي فيتلذّذ بعمله في الدّنيا فوق تلذّذ صاحب المال والجاه ، ولا يبطل تلذّذه إعساره ؛ إذ يرضيه اللّه بقسمته ، فيقنعه ، ويقلّ اهتمامه بحفظ المال وتنميته . والكافر لا يهنّأ عيشه بالمال والجاه ؛ إذ يزداد حرصا وخوف فوات . ويجزون بالأحسن في الآخرة ، فلا يقال لهم : أذهبتم طيّباتكم في حياتكم الدّنيا . بل يكمل جزاء أعمالهم الأدنى ؛ بحيث يلحق بالأعلى ، انتهى .
وعندي أنّ الحياة الطّيّبة هي الحياة الّتي فيها ثلج الصّدور بلذّة اليقين ، وحلاوة الإيمان والرّغبة في الموعود ، والرّضا بالقضاء ، وعتق الرّوح ممّا كانوا يستعبدون له ، والاستكانة إلى معبود واحد ، والتّنوّر بسرّ الوجود الّذي قام به ، وغير ذلك من مزاياه المقرّرة في مواضعها . هذا في الدّنيا ، وأمّا في الآخرة ، فله الجزاء الأحسن والثّواب الأوفى . ( 10 : 3856 )
سيّد قطب : إنّ العمل الصّالح مع الإيمان جزاؤه حياة طيّبة في هذه الأرض ، لايهمّ أن تكون ناعمة رغدة ثريّة بالمال ، فقد تكون به ، وقد لا يكون معها . وفي الحياة أشياء كثيرة غير المال الكثير تطيب بها الحياة في حدود الكفاية ، فيها الاتّصال باللّه والثّقة به ، والاطمئنان إلى