تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 658

مساهمون:

ص٦٥٨
النّور العلم الّذي يهتدي به الإنسان إلى الحقّ في الاعتقاد والعمل قطعا . وكما أنّ له من العلم والإدراك ما ليس لغيره ، كذلك له من موهبة القدرة على إحياء الحقّ وإماطة الباطل ما ليس لغيره ، وقد قال سبحانه :
وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ
الرّوم : 47 ، وقال :
مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
المائدة : 69 . وهذا العلم والقدرة الحديثان ، يمهّدان له أن يرى الأشياء على ما هي عليها فيقسمها قسمين : حقّ باق وباطل فان ، فيعرض بقلبه عن الباطل الفاني الّذي هو الحياة الدّنيا بزخارفها الغارّة الفتّانة . ويعتزّ بعزّة اللّه فلا يستذلّه الشّيطان بوساوسه ، ولا النّفس بأهوائها وهوساتها ، ولا الدّنيا بزهرتها ، لما يشاهد من بطلان أمتعتها وفناء نعمتها . ويتعلّق قلبه بربّه الحقّ الّذي هو يحقّ كلّ حقّ بكلماته ، فلا يريد إلّا وجهه ، ولا يحبّ إلّا قربه ، ولا يخاف إلّا سخطه وبعده ، يرى لنفسه حياة طاهرة دائمة مخلّدة ، لا يدبّر أمرها إلّا ربّه الغفور الودود ، ولا يواجهها في طول مسيرها إلّا الحسن الجميل ، فقد أحسن كلّ شيء خلقه ، ولا قبيح إلّا ما قبّحه اللّه من معصيته . فهذا الإنسان يجد في نفسه من البهاء والكمال والقوّة والعزّة واللّذّة والسّرور ما لا يقدّر بقدر . وكيف لا ؟ وهو مستغرق في حياة دائمة لا زوال لها ، ونعمة باقية لا نفاد لها ، ولا ألم فيها ، ولا كدورة تكدّرها ، وخير وسعادة لا شقاء معها ، هذا ما يؤيّده الاعتبار ، وينطق به آيات كثيرة من القرآن ، لا حاجة إلى إيرادها على كثرتها . فهذه آثار حيويّة لا تترتّب إلّا على حياة حقيقيّة غير مجازيّة ، وقد رتّبها اللّه سبحانه على هذه الحياة الّتي يذكرها ويخصّها بالّذين آمنوا وعملوا الصّالحات ، فهي حياة حقيقيّة جديدة يفيضها اللّه سبحانه عليهم . وليست هذه الحياة الجديدة المختصّة ، بمنفصلة عن الحياة القديمة المشتركة ، وإن كانت غيرها ، فإنّما الاختلاف بالمراتب لا بالعدد ، فلا يتعدّد بها الانسان ، كما أنّ الرّوح القدسيّة الّتي يذكرها اللّه سبحانه للأنبياء لا توجب لهم إلّا ارتفاع الدّرجة ، دون تعدّد الشّخصيّة . هذا ما يعطيه التّدبّر في الآية الكريمة ، وهو حقيقة قرآنيّة ، وبه يظهر وجه توصيفها بالطّيّب في قوله :
حَياةً طَيِّبَةً
كأنّها - كما اتّضح - حياة خالصة لا خبث فيها يفسدها في نفسها أو في أثرها . وللمفسّرين في الآية وجوه من التّفسير : منها : أنّ الحياة الطّيّبة هي الحياة الّتي تكون في الجنّة ، فلا موت فيها ولا فقر ولا سقم ولا أيّ شقاء آخر . ومنها : أنّها الحياة الّتي تكون في البرزخ ، ولعلّ التّخصيص من حمل ذيل الآية على جنّة الآخرة . ومنها : أنّها الحياة الدّنيويّة المقارنة للقناعة والرّضا بما قسم اللّه سبحانه ، فإنّها أطيب الحياة . ومنها : أنّها الرّزق الحلال ؛ إذ لا عقاب عليه . ومنها : أنّها رزق يوم بيوم . ووجوه المناقشة فيها لا تكاد تخفى على الباحث المتدبّر ، فلا نطيل بإيرادها . ( 12 : 341 ) عبد الكريم الخطيب : المراد بالحياة ، هي الحياة