كَدْحاً فَمُلاقِيهِ
الانشقاق : 6 ، فبيّن أنّ هذا الكدح باق إلى أن يصل إلى ربّه ، وذلك ما قلناه . وأمّا بيان أنّ الحياة الطّيّبة في الجنّة ، فلأنّها حياة بلا موت ، وغنى بلا فقر ، وصحّة بلا مرض ، وملك بلا زوال ، وسعادة بلا شقاء ، فثبت أنّ الحياة الطّيّبة ليست إلّا تلك الحياة . ( 20 : 112 )
نحوه النّيسابوريّ ( 14 : 116 ) ، والخازن ( 4 : 93 ) .
الرّازيّ : فإن قيل : كيف قال تعالى :
فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً
وقد رأينا كثيرا من الصّلحاء والأتقياء قطعوا أعمارهم في المصائب والمحن وأنواع البلايا ، باعتبار الأمثل فالأمثل إلى الأنبياء ؟
قلنا : المراد بالحياة الطّيّبة : الحياة في القناعة . [ ونقل الأقوال وأضاف : ]
والظّاهر أنّ المراد به الحياة في الدّنيا لقوله تعالى :
وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ
وعدهم اللّه ثواب الدّنيا والآخرة ، كما قال تعالى :
فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ
آل عمران : 148 . ( 180 )
القرطبيّ : [ نقل الأقوال المتقدّمة وأضاف : ]
قيل : الاستغناء عن الخلق والافتقار إلى الحقّ .
( 10 : 174 )
أبو حيّان : والظّاهر من قوله تعالى :
فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً
أنّ ذلك في الدّنيا ، وهو قول الجمهور ، ويدلّ عليه قوله :
وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ
يعني في الآخرة . [ ثمّ أدام الكلام بنقل الأقوال ] ( 5 : 534 )
ابن كثير : والحياة الطّيّبة تشمل وجوه الرّاحة من أيّ جهة كانت . [ ثمّ نقل بعض الأقوال المتقدّمة وقال : ]
والصّحيح أنّ الحياة الطّيّبة تشمل هذا كلّه .
( 4 : 224 )
الشّربينيّ : [ نحو الزّمخشريّ وأضاف : ]
وقال السّدّيّ : الحياة الطّيّبة إنّما تحصل في القبر ، لأنّ المؤمن يستريح بالموت من كدّ الدّنيا وتعبها . وقال مجاهد وقتادة : هي الجنّة ، لأنّها حياة بلا موت ، وغنى بلا فقر ، وصحّة بلا سقم ، وملك بلا هلك ، وسعادة بلا شقاوة ، فأثبت بهذا أنّ الحياة الطّيّبة لا تكون إلّا في الجنّة . ولا مانع من أنّ المؤمن الكامل يحصّل جميع ذلك . ( 2 : 260 )
البروسويّ : [ نحو الزّمخشريّ وأضاف : ]
وفي « التّأويلات النّجميّة » يشير بالذّكر إلى القلب ، وبالأنثى إلى النّفس ، فالعمل الصّالح من النّفس : استعمال الشّريعة بتقوى اللّه ، وصدقه على وفق الطّريقة ، تزكية عن صفاتها الذّميمة وأفعالها الطّبيعيّة . والعمل الصّالح من القلب : حسن توجّهه إلى اللّه بالكلّيّة لطلب اللّه ، والإعراض عمّا سواه ، تصفية للتّحلية بصفات اللّه والتّخلّق بأخلاقه .
وبقوله :
فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً
يشير إلى إحياء كلّ واحد منهما بالحياة الطّيّبة على قدر صلاحيّة عمله وحسن استعداد في قبولها :
فإحياء النّفس بالحياة الطّيّبة أن تصير مزكّاة عن صفاتها ، متحلّية بأخلاق القلب الرّوحانيّ ، مطمئنّة بذكر اللّه ، راجعة إلى ربّها راضية مرضيّة .
وإحياء القلب بالحياة الطّيّبة ، أن يصير متخلّقا بأخلاق اللّه ، ويكون فانيا عن إنانيّته بهويّته حيّا بحياته ، طيّبا عن دنس الاثنينيّة ولوث الحدوث ، فإنّ اللّه طيّب عن هذه الأوصاف ، فلا يقبل إلّا طيّبا .