على أنّه إنّما يجزيهم على ما هو أحسن أعمالهم ، فهذا لا امتناع فيه .
فإن قيل : بتقدير أن تكون هذه الحياة الطّيّبة إنّما تحصل في الدّنيا فما هي ؟
والجواب : ذكروا فيه وجوها : قيل : هو الرّزق الحلال الطّيّب ، وقيل : عبادة اللّه مع أكل الحلال ، وقيل : القناعة ، وقيل : رزق يوم بيوم ، كان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يقول في دعائه :
« قنّعني بما رزقتني » . وعن أبي هريرة عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه كان يدعو : « اللّهمّ اجعل رزق آل محمّد كفافا » . قال الواحديّ : وقول من يقول : إنّه القناعة ، حسن مختار ، لأنّه لا يطيب عيش أحد في الدّنيا إلّا عيش القانع ، وأمّا الحريص فإنّه يكون أبدا في الكدّ والعناء .
واعلم أنّ عيش المؤمن في الدّنيا أطيب من عيش الكافر لوجوه :
الأوّل : أنّه لمّا عرف أنّ رزقه إنّما حصل بتدبير اللّه تعالى ، وعرف أنّه تعالى محسن كريم لا يفعل إلّا الصّواب ، كان راضيا بكلّ ما قضاه وقدّره ، وعلم أنّ مصلحته في ذلك ، أمّا الجاهل فلا يعرف هذه الأصول ، فكان أبدا في الحزن والشّقاء .
وثانيها : أنّ المؤمن أبدا يستحضر في عقله أنواع المصائب والمحن ويقدّر وقوعها ، وعلى تقدير وقوعها يرضى بها ، لأنّ الرّضا بقضاء اللّه تعالى واجب ، فعند وقوعها لا يستعظمها ، بخلاف الجاهل فإنّه يكون غافلا عن تلك المعارف ، فعند وقوع المصائب يعظم تأثيرها في قلبه .
وثالثها : أنّ قلب المؤمن منشرح بنور معرفة اللّه تعالى ، القلب إذا كان مملوء من هذه المعارف لم يتّسع للأحزان الواقعة بسبب أحوال الدّنيا ، أمّا قلب الجاهل فإنّه خال عن معرفة اللّه تعالى ، فلا جرم يصير مملوء من الأحزان الواقعة بسبب مصائب الدّنيا .
ورابعها : أنّ المؤمن عارف بأنّ خيرات الحياة الجسمانيّة خسيسة ، فلا يعظم فرحه بوجدانها وغمّه بفقدانها ، أمّا الجاهل فإنّه لا يعرف سعادة أخرى تغايرها ، فلا جرم يعظم فرحه بوجدانها وغمّه بفقدانها .
وخامسها : أنّ المؤمن يعلم أنّ خيرات الدّنيا واجبة التّغيّر ، سريعة التّقلّب ، فلو لا تغيّرها وانقلابها ، لم تصل من غيره إليه .
واعلم أنّ ما كان واجب التّغيّر فإنّه عند وصوله إليه لا تنقلب حقيقته ولا تتبدّل ماهيّته ، فعند وصوله إليه يكون أيضا واجب التّغيّر ، فعند ذلك لا يطبع العاقل قلبه عليه ، ولا يقيم له في قلبه وزنا ، بخلاف الجاهل ، فإنّه يكون غافلا عن هذه المعارف ، فيطبع قلبه عليها ، ويعانقها معانقة العاشق لمعشوقه ، فعند فوته وزواله يحترق قلبه ويعظم البلاء عنده .
فهذه وجوه كافية في بيان أنّ عيش المؤمن العارف أطيب من عيش الكافر ، هذا كلّه إذا فسّرنا الحياة الطّيّبة بأنّها في الدّنيا .
والقول الثّاني : وهو قول السّدّيّ : إنّ هذه الحياة الطّيّبة إنّما تحصل في القبر .
والقول الثّالث : وهو قول الحسن وسعيد بن جبير :
إنّ هذه الحياة الطّيّبة لا تحصل إلّا في الآخرة ، والدّليل عليه قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ