في بداية سورة « المؤمنون » : النّطفة ، العلقة ، المضغة ، العظام ، اكتساء العظام باللّحم ، وتمثّل الخلق السّويّ . ثمّ إنّ الإنسان بعد الولادة كائن ضعيف جدّا ، لا يملك القدرة على شيء ، ثمّ يقطع مراحل نموّه بسرعة حتّى بلوغ الرّشد الجسمانيّ والعقليّ .
نعم ، فهذا الموجود الضّعيف العاجز ، يصبح قويّا إلى درجة أن يجيز لنفسه النّهوض لمحاربة الدّعوات الإلهيّة ، وينسى ماضيه ومستقبله ، ليكون مصداقا حيّا لقوله تعالى :
فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ .
واللّطيف أنّ هذا التّعبير يتضمّن جنبتين : إحداهما تمثّل جانب القوّة ، والأخرى جانب الضّعف ، ويظهر أنّ القرآن الكريم أشار إليهما جميعا .
إنّ هذا العمل لا يكون إلّا من إنسان يملك عقلا وفكرا وشعورا واستقلالا وإرادة ، ونحن نعلم بأنّ أهمّ مسألة في حياة الإنسان هي التّكلّم والحديث الّذي يهيّأ محتواه مسبقا في الذّهن ، ثمّ يصبّ في قالب من العبارات ، ويطلق باتّجاه الهدف كالرّصاص المنطلق من فوهة البندقيّة ، وهذا العمل لا يمكن حدوثه في أيّ كائن حيّ عدا الإنسان .
وبذلك فإنّ اللّه سبحانه وتعالى يجسّد قدرته في إعطاء هذا الماء المهين هذه القوّة العظيمة ، هذا من جانب .
ومن جانب آخر فإنّ الإنسان مخلوق مغرور وكثير النّسيان ، فهو يستغلّ كلّ هذه النّعم - الّتي أولاها إيّاه وليّ نعمته - ضدّه في المجادلة والمخاصمة ، فيا له من مغفّل أحمق !
يكفي لمعرفة مدى غفلته وحمقه أنّه :
وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ .
المقصود من ضرب المثل هنا : نفس المعنى بدون التّشبيه والكناية . فالمقصود هو الاستدلال وذكر مصداق لإثبات مطلب معيّن . نعم فإنّ أبيّ بن خلف أو أميّة بن خلف . أو العاص بن وائل ، كان قد وجد قطعة متفسّخة من عظم لم يكن معلوما لمن ؟ وهل مات موتا طبيعيّا ؟ أو في واحدة من حروب العصر الجاهليّ المهولة ؟ أو مات جوعا ؟ وبأيّ شكل فكّر حتّى وجد فيه دليلا قويّا لنفي المعاد ! فحمل تلك القطعة من العظم ، وذهب حانقا وفرحا في نفس الوقت ، وهو يقول : لأخصمنّ محمّدا .
فذهب إلى الرّسول الأكرم صلّى اللّه عليه وآله ، وهو في عجلة من أمره ، ليقول له : قل لي : من ذا الّذي يستطيع أن يلبس هذا العظم الباليّ لباس الحياة من جديد ؟ وفتّ بيده قسما من العظم وذرّه على الأرض ، واعتقد بأنّ الرّسول صلّى اللّه عليه وآله سيتحيّر في الجواب ولا يملك ردّا .
والجميل أنّ القرآن الكريم أجابه بجملة وجيزة مقتضبة ، وهي قوله تعالى :
وَنَسِيَ خَلْقَهُ .
وإن كان قد أردف مضيفا توضيحا أكثر ودلائل أكثر . فكأنّه يقول :
لو لم تنس بدء خلقك لما استدللت بهذا الاستدلال الواهي الفارغ أبدا .
أيّها الإنسان الكثير النّسيان ، عد قليلا إلى الوراء وانظر في خلقك ، كيف كنت نطفة تافهة وكلّ يوم أنت في لبس جديد من مراحل الحياة ، فأنت في حال موت وبعث مستمرّين ، فمن جماد أصبحت رجلا بالغا ، وبكمّيّة من عالم النّبات الجامد ، ومن عالم الحيوان الميّت أيضا أصبحت إنسانا ، ولكنّك نسيت كلّ ذلك ، وصرت تسأل :