الأعلى على الأسفل ، فتنقدح النّار بإذن اللّه . فحصول الحيّ من الميّت ليس بأعجب من انقداح النّار من الشّجرة الخضراء ، وهما متضادّان . [ إلى أن قال : ]
والمتحصّل من كلامه تعالى أنّ النّفس لا تموت بموت البدن ، وأنّها محفوظة حتّى ترجع إلى اللّه سبحانه ، كما تقدّم استفادته من قوله تعالى :
وَقالُوا أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ * قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ
السّجدة : 10 ، 11 فالبدن اللّاحق من الإنسان إذا اعتبر بالقياس إلى البدن السّابق منه كان مثله لا عينه ، لكنّ الإنسان ذا البدن اللّاحق إذا قيس إلى الإنسان ذي البدن السّابق كان عينه لا مثله ؛ لأنّ الشّخصيّة بالنّفس وهي واحدة بعينها .
ولمّا كان استبعاد المشركين في قولهم :
مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ
راجعا إلى خلق البدن الجديد دون النّفس ، أجاب سبحانه بإثبات إمكان خلق مثلهم ، وأمّا عودهم بأعيانهم فهو إنّما يتمّ بتعلّق النّفوس والأرواح المحفوظة عند اللّه بالأبدان المخلوقة جديدا ، فتكوّن الأشخاص الموجودين في الدّنيا من النّاس بأعيانهم ، كما قال تعالى :
أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى
الأحقاف : 33 ، فعلّق الإحياء على الموتى بأعيانهم ، فقال :
عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى .
ولم يقل : على أن يحيي أمثال الموتى . ( 17 : 112 - 114 )
مكارم الشّيرازيّ : نقلت أغلب التّفاسير عن أبي عبد اللّه الصّادق عليه السّلام أنّه قال : « جاء أبيّ بن خلف فأخذ عظما باليا من حائط ففتّه ، ثمّ قال : إذا كنّا عظاما ورفاتا إنّا لمبعوثون خلقا ؟ » فأنزل اللّه :
قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ .
قلنا : إنّ البحوث المختلفة حول المبدإ والمعاد والنّبوّة في سورة « يس » الّتي هي قلب القرآن ، وردت بشكل مقاطع مختلفة ، فهذه السّورة ابتدأت بمسألة النّبوّة ، واختتمت بسبع آيات تمثّل أقوى البيانات حول المعاد .
في البدء تأخذ بيد الإنسان وتشير له إلى بدء حياته في ذلك اليوم ؛ حيث كان نطفة مهينة لا غير ، وتدعوه إلى التّأمّل والتّفكّر ، فتقول :
أَ وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ .
يا له من تعبير حيويّ ؟
فالآية تؤكّد أوّلا مخاطبة الإنسان ، أيّا كان وأيّ اعتقاد كان يعتقد ، وعلى أيّ مستوى كان من العلم ، فهو يستطيع إدراك هذه الحقيقة .
ثمّ تتحدّث عن « النّطفة » والّتي هي لغويّا بمعنى « الماء المهين » لكي يعلم هذا الإنسان المغرور المتكبّر - بقليل من التّأمل - ماذا كان في البدء ؟ كما أنّ هذا الماء المهين لم يكن هو السّبب في نشوئه وظهوره ، بل خليّة حيّة متناهية في الصّغر ، لا ترى بالعين المجرّدة ، من ضمن آلاف ، بل ملايين الخلايا الأخرى الّتي كانت تسبح في ذلك الماء المهين ، وباتّحادها مع خليّة صغيرة أخرى مستقرّة في رحم المرأة تكوّنت الخليّة البشريّة الأولى ، ودخل الإنسان إلى عالم الوجود .
وتتواصل مراحل التّكامل الجنينيّ الواحدة بعد الأخرى ، والّتي هي ستّة مراحل كما نقلها القرآن الكريم