الغريب .
ومنهم من ذكر شبهة وإن كانت في آخرها تعود إلى مجرّد الاستبعاد ، وهي على وجهين :
أحدهما : أنّه بعد العدم لم يبق شيئا ، فكيف يصحّ على العدم الحكم بالوجود ؟ وأجاب عن هذه الشّبهة بقوله تعالى :
قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ
يعني كما خلق الإنسان ولم يكن شيئا مذكورا ، كذلك يعيده وإن لم يبق شيئا مذكورا .
وثانيها : أنّ من تفرّقت أجزاؤه في مشارق العالم ومغاربه ، وصار بعضه في أبدان السّباع ، وبعضه في جدران الرّباع كيف يجمع ؟ وأبعد من هذا هو أنّ إنسانا إذا أكل إنسانا وصار أجزاء المأكول في أجزاء الآكل ، فإن أعيد ، فأجزاء المأكول : إمّا أن تعاد إلى بدن الآكل ، فلا يبقى للمأكول أجزاء تخلق منها أعضاؤه ، وإمّا أن تعاد إلى بدن المأكول منه ، فلا يبقى للآكل أجزاء .
فقال تعالى في إبطال هذه الشّبهة :
وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ
ووجهه هو أنّ في الآكل أجزاء أصليّة وأجزاء فضليّة ، وفي المأكول كذلك ، فإذا أكل إنسان إنسانا صار الأصليّ من أجزاء المأكول فضليّا من أجزاء الآكل ، والأجزاء الأصليّة للآكل هي ما كان له قبل الأكل . واللّه بكلّ خلق عليم يعلم الأصليّ من الفضليّ فيجمع الأجزاء الأصليّة للآكل وينفخ فيها روحه ، ويجمع الأجزاء الأصليّة للمأكول وينفخ فيها روحه ، وكذلك يجمع الأجزاء المتفرّقة في البقاء ، المبدّدة في الأصقاع بحكمته الشّاملة وقدرته الكاملة . ( 26 : 109 )
نحوه الشّربينيّ ( 3 : 366 ) ، والنّيسابوريّ ( 23 : 33 ) .
البيضاويّ :
قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ
منكرا إيّاه مستبعدا له . . .
قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ
فإنّ قدرته كما كانت ، لامتناع التّغيّر فيه ، والمادّة على حالها في القابليّة اللّازمة لذاتها . ( 2 : 286 )
النّسفيّ : من يثبت الحياة في العظام ، ويقول : إنّ عظام الميتة نجسة ؛ لأنّ الموت يؤثّر فيها من قبل أنّ الحياة تحلّها ، يتشبّث بهذه الآية ، وهي عندنا طاهرة ، وكذا الشّعر والعصب ؛ لأنّ الحياة لا تحلّها فلا يؤثّر فيها الموت .
والمراد بإحياء العظام في الآية : ردّها إلى ما كانت عليه غضّة رطبة في بدن حيّ حسّاس . ( 4 : 14 )
نحوه أبو حيّان . ( 7 : 348 )
أبو السّعود :
وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا
معطوف حينئذ على الجملة المنفيّة داخل في حيّز الإنكار والتّقبيح . وأمّا على التّقدير « 1 » الأوّل فهو عطف على الجملة الفجائيّة ، والمعنى ففاجأ خصومتنا وضرب لنا مثلا ، أي أورد في شأننا قصّة عجيبة في نفس الأمر ، هي في الغرابة والبعد عن العقول كالمثل ، وهي إنكار إحيائنا العظام ، أو قصّة عجيبة في زعمه ، واستبعدها وعدّها من قبيل المثل ، وأنكرها أشدّ الإنكار ، وهي إحياؤنا إيّاها ، وجعل لنا مثلا ونظيرا من الخلق ، وقاس قدرتنا على قدرتهم ، ونفى الكلّ على العموم .
وَنَسِيَ خَلْقَهُ
أي خلقنا إيّاه على الوجه المذكور الدّالّ على بطلان ما ضربه ، إمّا عطف على ( ضرب ) داخل في حيّز الإنكار والتّعجيب ، أو حال من فاعله
هامش
( 1 ) ذكر تقديرات قد سبقت .