من ذوي الحياة . والمراد بقوله :
إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى
الدّلالة على المماثلة بين إحياء الأرض الميتة وإحياء الموتى ، إذ في كلّ منهما موت ، هو سقوط آثار الحياة من شيء محفوظ ، وحياة ، هي تجدّد تلك الآثار بعد سقوطها .
وقد تحقّق الإحياء في الأرض والنّبات ، وحياة الإنسان وغيره من ذوي الحياة مثلها ، وحكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد ، فإذا جاز الإحياء في بعض هذه الأمثال - وهو الأرض والنّبات - فليجز في البعض الآخر . ( 16 : 202 )
مكارم الشّيرازيّ : والتّعبير ب ( محيى ) بصيغة اسم الفاعل مكان الفعل المضارع ، وخاصّة مع كونه مسبوقا بلام التّوكيد ، دليل على منتهى التّأكيد .
ولقد رأينا مرارا في آيات القرآن الكريم ، أنّ هذا الكتاب السّماويّ - من أجل إثبات مسألة المعاد - ينتخب نزول الغيث وإحياء الأرض بعد موتها شاهدا على ذلك .
ففي سورة « ق » الآية : 11 ، يعقّب القرآن بعد التّعبير بحياة الأرض بعد موتها قائلا :
كَذلِكَ الْخُرُوجُ .
ويشبه هذا التّعبير في الآية : 9 ، من سورة فاطر :
كَذلِكَ النُّشُورُ .
والواقع أنّ قانون الحياة والموت في كلّ مكان متشابه ، فالّذي يحيي الأرض الميتة بقطرات السّماء ، ويهبها الحركة والبهجة ، ويتكرّر هذا العمل على طول السّنة ، وأحيانا في كلّ يوم ، فإنّ له هذه القدرة على إحياء النّاس بعد الموت ، فالموت بيده في كلّ مكان ، كما أنّ الحياة بأمره أيضا .
صحيح أنّ الظّاهر أنّ الأرض الميتة لا تحيا ، بل تنمو البذور الّتي في قلب الأرض ، ولكنّنا نعلم أنّ هذه البذور الصّغيرة تجذب مقدارا عظيما من أجزاء الأرض إلى نفسها ، وتحوّل الموجودات الميتة إلى موجودات حيّة ، وحتّى ذرّات هذه النّباتات المتلاشية - أيضا - تمنح القدرة والقوّة لكي تحيا الأرض .
وفي الحقيقة لم يكن لمنكري المعاد أيّ دليل على مدّعاهم سوى الاستبعاد ، والقرآن المجيد إنّما يستشهد بهذه الأمثال لإحباط هذا الاستبعاد منهم أيضا .
( 12 : 513 )
فضل اللّه : ولا يقتصر التّوجيه القرآنيّ في استلهام العمق العقيديّ بالإيمان باللّه والشّعور برحمته ، على ما يثيره في نفس الإنسان من مشاعر الامتنان بالنّعمة والرّحمة ، بل يمتدّ إلى أن يحرّك الفكر في اتّجاه استشفاف عقلانيّة الإيمان باليوم الآخر ، في مواجهته للفكرة المضادّة الّتي تنكر البعث على أساس استبعاده ؛ وذلك من خلال المقارنة بين موت الأرض وحياتها بقدرة اللّه ، وبين موت الإنسان وإحيائه بعد ذلك بقدرة اللّه ، فإنّ محيي الأرض هو محيي الإنسان
إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
فإذا كان اللّه يملك القدرة المطلقة فلا يعجزه شيء في ما يخلق ، ولا في تدبيره ، ولا في تغييره بما يشاء . ( 18 : 157 )
10 -
وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ .
يس : 78 ، 79