الرّجل نبيّ ، فهو كلام من يؤثر أن يرى كيفيّة الإعادة ، أو يستهولها ، فيعظّم قدرة اللّه ، وإن قلنا : إنّه كان رجلا كافرا ، فهو كلام شاكّ ، والأوّل أصحّ . ( 1 : 309 )
الخازن : فمن قال : إنّ ذلك المارّ كان كافرا - وهو ضعيف - إنّما حمله على الشّكّ في قدرة اللّه تعالى ، أو كان المقصود منه طلب زيادة الدّلائل لأجل التّأكيد ، كما قال إبراهيم عليه السّلام :
رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى
ومعنى
أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ
من أين يحيي ؟ ( 1 : 231 )
الفخر الرّازيّ : أمّا قوله تعالى :
قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها
فقد ذكرنا أنّ من قال : المارّ كان كافرا حمله على الشّكّ في قدرة اللّه تعالى . ومن قال : كان نبيّا ، حمله على الاستبعاد بحسب مجاري العرف والعادة ، أو كان المقصود منه طلب زيادة الدّلائل لأجل التّأكيد ، كما قال إبراهيم عليه السّلام :
أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى ،
وقوله : ( انّى ) أي من أين ؟ كقوله :
أَنَّى لَكِ هذا
آل عمران : 37 .
والمراد بإحياء هذه القرية : عمارتها ، أي متى يفعل اللّه تعالى ذلك ؟ على معنى أنّه لا يفعله ، فأحبّ اللّه تعالى أن يريه في نفسه ، وفي إحياء القرية آية
فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ
البقرة : 259 ، وقد ذكرنا القصّة .
فإنّ قيل : ما الفائدة في إماتة اللّه له مائة عام ، مع أنّ الاستدلال بالإحياء بعد يوم أو بعد بعض يوم حاصل ؟
قلنا : لأنّ الإحياء بعد تراخي المدّة أبعد في العقول من الإحياء بعد قرب المدّة ، وأيضا فلأنّ بعد تراخي المدّة ما يشاهد منه ، ويشاهد هو من غيره أعجب . ( 7 : 34 )
نحوه الخازن . ( 1 : 231 )
البيضاويّ : اعترافا بالقصور عن معرفة طريق الإحياء ، واستعظاما لقدرة المحيي إن كان القائل مؤمنا ، واستبعادا إن كان كافرا . و ( انّى ) في موضع نصب على الظّرف بمعنى « متى » ، أو على الحال بمعنى « كيف » .
( 1 : 135 )
نحوه النّسفيّ . ( 1 : 131 )
أبو السّعود : وهي على ما يرى من الحالة العجيبة المباينة للحياة ، وتقديمها على الفاعل للاعتناء بها ، من حيث إنّ الاستبعاد ناشئ من جهتها ، لا من جهة الفاعل .
و ( انّى ) نصب على الظّرفيّة إن كانت بمعنى « متى » ، وعلى الحاليّة من هذه إن كانت بمعنى « كيف » . والعامل ( يحيى ) .
وأيّا ما كان فالمراد استبعاد عمارتها بالبناء والسّكّان من بقايا أهلها الّذين تفرّقوا أيدي سبأ ومن غيرهم .
وإنّما عبّر عنها بالإحياء الّذي هو « 1 » علم في البعد عن الوقوع عادة ، تهويلا للخطب ، وتأكيدا للاستبعاد ، كما أنّه لأجله عبّر عن خرابها بالموت ؛ حيث قيل :
بَعْدَ مَوْتِها .
وحيث كان هذا التّعبير معربا عن استبعاد الإحياء بعد الموت على أبلغ وجه وآكده ، أراه اللّه عزّ وجلّ آثر ذي أثير أبعد الأمرين في نفسه ثمّ في غيره ، ثمّ أراه ما استبعده صريحا مبالغة في إزاحة ما عسى يختلج في خلده .
وأمّا حمل إحيائها على إحياء أهلها ، فيأباه التّعرّض لحال القرية دون حالهم ، والاقتصار على ذكر موتهم دون كونهم ترابا وعظاما ، مع كونه أدخل في الاستبعاد ، لشدّة مباينته للحياة ، وغاية بعده عن قبولها . على أنّه لم تتعلّق إرادته تعالى بإحيائهم كما تعلّقت بعمارتها ومعاينة
هامش
( 1 ) في الأصل ( هم علم ) ، وهو سهو ظاهرا .