تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 628

مساهمون:

ص٦٢٨
إبراهيم عليه السّلام وأحد الجبّارين في زمانه ممّن كان غرور السّلطان قد أثمله ؛ إذ سأل هذا الجبّار إبراهيم عن ربّه ، فقال إبراهيم : إنّه الّذي يحيي ويميت ، وهو بهذا قد عرض - في الحقيقة - أعظم دليل على عظمة الخلق ، قانون الحياة والموت ، باعتباره معلما من معالم قدرة بارئ الخلائق وعالم الوجود ، وبرهانا على سعة علمه ، إلّا أنّ الجبّار المغرور توسّل بالسّفسطة والتّزوير لكي يخدع النّاس ومن حوله ، فقال : أنا أيضا أحيي وأميت ، وأنّ قانون الحياة والموت بيدي . على الرّغم من أنّ القرآن لا يذكر ما تلا ذلك من كيفيّة قيام الجبّار بإثبات سفسطته إثباتا عمليّا ، ولكن الأحاديث والتّواريخ تقول : إنّه أمر بإحضار سجينين أطلق سراح أحدهما وأمر بقتل الآخر ، ثمّ قال لإبراهيم : أرأيت كيف أنّ الحياة والموت بيدي ؟ من الجدير بالملاحظة أنّ الدّليل الّذي جاء به إبراهيم بشأن الحياة والموت كان دليلا قويّا ، ولكن قدرة العدوّ على التّوسّل بالمغالطة أمام السّذّج من النّاس دعت إبراهيم لأن يقدّم دليلا آخر فقال : إنّ اللّه يخرج الشّمس من الأفق الشّرقيّ ، فإذا كنت أنت الحاكم على عالم الوجود ، فأت بها أنت من المغرب . عندئذ أسقط في يد العدوّ وبهت ولم يستطع أن يحير جوابا أمام هذا المنطق الحيّ . وهذا أفضل طريق لإسكات كلّ عدوّ عنيد . إنّ قضيّة الحياة والموت أهمّ من قضيّة السّماء وحركة الشّمس والقمر من حيث كونها برهانا على علم اللّه وقدرته ، لهذا السّبب أورده إبراهيم دليلا أوّل ، ولو كان في ذلك المجلس أناس يعقلون ويتفكّرون لاكتفوا بهذا الدّليل واقتنعوا به ؛ إذ إنّ كلّ امرئ يعرف أنّ مسألة إطلاق سراح سجين وقتل آخر لا علاقة لها بقضيّة الإحياء والإماتة الطّبيعيّين أبدا ، أمّا البسطاء السّذّج - البعيدون عن التّفكير العميق السّليم والّذين يتأثّرون عادة بتضليل هذا المتجبّر وسفسطته - فيحتاجون إلى دليل آخر ، من هنا قدّم إبراهيم عليه السّلام دليله بشأن شروق الشّمس وغروبها ، لكي يتّضح الحقّ للجميع . ( 2 : 187 ) فضل اللّه : ثلاث آيات تتلاحق الواحدة تلو الأخرى ، نلتقي فيها بالحديث عن فكرة إحياء اللّه للأشياء الّتي تدبّ فيها الحياة ، ولكن بطريقة لا تعتمد الاستدلال بالبراهين العقليّة ، بل بطريقة إيحائيّة ، توحي بالفكرة من خلال القصّة الخاطفة ، من خلال حوار يدور بين إبراهيم عليه السّلام وبين طاغية زمانه ، فيصوّر لنا الفكرة كحقيقة لا تحتمل الرّيب ، في تمثّلها في العقيدة باللّه الواحد ، فلا يملك الطّاغية مجالا للهروب منها إلّا بالتّلاعب بالألفاظ والضّحك على قول السّذّج من البسطاء . ونتمثّلها في قصّة الإنسان الّذي وقف مدهوشا أمام القرية الّتي يغمرها الموت بكلّ أفكارها ، فيتساءل ، فيموت ، ثمّ يبعث في الدّنيا وتتمثّل الفكرة أمامه في كيانه الّذي دبّت الحياة فيه من جديد ، وفي حماره الّذي شاهده تتجمّع أعضاؤه أمامه في عمليّة الحياة . ثمّ يعود إبراهيم من جديد ليتساءل كيف يحيي اللّه الموتى ؟ وتعيش التّجربة في نطاق عمليّة خارقة للعادة ، يستجيب اللّه فيها لرغبته . إنّ كلّ هذه القصص الثّلاث الّتي تتّصل بالجانب