تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 627

مساهمون:

ص٦٢٧
وقرأ الجمهور ألف ضمير ( انا ) بقصر الألف ؛ بحيث يكون كفتحة غير مشبعة ؛ وذلك استعمال خاصّ بألف ( انا ) في العربيّة ، وقرأه نافع وأبو جعفر مثلهم إلّا إذا وقع بعد الألف همزة قطع مضمومة أو مفتوحة كما هنا ، وكما في قوله تعالى :
وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ
الأنعام : 163 ، فيقرأه بألف ممدودة . وفي همزة القطع المكسورة روايتان لقالون عن نافع ، نحو قوله تعالى :
إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ
الأعراف : 188 ، وهذه لغة فصيحة . ( 2 : 506 ) الطّباطبائيّ : الحياة والموت وإن كانا يوجدان في غير جنس الحيوان أيضا كالنّبات ، وقد صدّقه القرآن - كما مرّ بيانه في تفسير آية الكرسيّ - لكن مراده عليه السّلام منهما إمّا خصوص الحياة والممات الحيوانيّين ، أو الأعمّ الشّامل له لإطلاق اللّفظ ، والدّليل على ذلك قول نمرود :
أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ
فإنّ هذا الّذي ادّعاه لنفسه لم يكن من قبيل إحياء النّبات بالحرث والغرس مثلا ، ولا إحياء الحيوان بالسّفاد والتّوليد مثلا ، فإنّ ذلك وأشباهه كان لا يختصّ به بل يوجد في غيره من أفراد الإنسان . وهذا يؤيّد ما وردت به الرّوايات : أنّه أمر بإحضار رجلين ممّن كان في سجنه ، فأطلق أحدهما وقتل الآخر ، وقال عند ذلك :
أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ .
وإنّما أخذ عليه السّلام في حجّته الإحياء والإماتة ، لأنّهما أمران ليس للطّبيعة الفاقدة للحياة فيهما صنع ، وخاصّة الحياة الّتي في الحيوان ؛ حيث تستتبع الشّعور والإرادة ، وهما أمران غير مادّيّين قطعا ، وكذا الموت المقابل لها ، والحجّة على ما فيها من السّطوع والوضوح لم تنجح في حقّهم ؛ لأنّ انحطاطهم في الفكر وخبطهم في التّعقّل كان فوق ما كان يظنّه عليه السّلام في حقّهم ، فلم يفهموا من الإحياء والإماتة إلّا المعنى المجازيّ الشّامل لمثل الإطلاق والقتل ، فقال نمرود :
أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ
وصدّقه من حضره . ومن سياق هذه المحاجّة يمكن أن يحدس المتأمّل ما بلغ إليه الانحطاط الفكريّ يومئذ في المعارف والمعنويّات ، ولا ينافي ذلك الارتقاء الحضاريّ والتّقدّم المدنيّ الّذي يدلّ عليه الآثار والرّسوم الباقية من بابل كلدة ومصر الفراعنة وغيرهما ، فإنّ المدنيّة المادّيّة أمر ، والتّقدّم في معنويّات المعارف أمر آخر . وفي ارتقاء الدّنيا الحاضرة في مدنيّتها وانحطاطها في الأخلاق والمعارف المعنويّة ما تسقط به هذه الشّبهة . ومن هنا يظهر وجه عدم أخذه عليه السّلام في حجّته مسألة احتياج العالم بأسره إلى الصّانع الفاطر للسّماوات والأرض ، كما أخذ به في استبصار نفسه في بادئ أمره ، على ما يحكيه اللّه عنه بقوله :
إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ
الأنعام : 79 ، فإنّ القوم على اعترافهم بذلك بفطرتهم إجمالا ، كانوا أنزل سطحا من أن يعقلوه على ما ينبغي أن يعقل عليه ؛ بحيث ينجح احتجاجه ويتّضح مراده عليه السّلام . وناهيك في ذلك ما فهموه من قوله :
رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ .
( 2 : 353 ) مكارم الشّيرازيّ : تعقيبا على الآية السّابقة الّتي تناولت هداية المؤمنين في نور الولاية وهداية اللّه ، وضلال الكافرين لاتّباعهم الطّاغوت ، يذكر اللّه في هذه الآية شاهدا حيّا على ذلك من حياة إبراهيم عليه وعلى نبيّنا أفضل الصّلاة والسّلام ، وهو حوار دار بين